قادة بلا مسافة: فخر غزة الذي أربك الاحتلال!

منذ 5 أيام   شارك:

محمود كلّم

كاتب فلسطيني

حين سقطت صورة النصر، وانكشفت هزيمة الرواية والجيش والسياسة.

 

كان الاحتلال يحلم بصورة.

صورة واحدة، يقتنصها من بين الركام، ليعلّقها على جدار أزمته الداخلية، ويقدّمها لشعبه باعتبارها نصراً، أو إنجازاً متأخراً، أو تعويضاً دعائياً عن فشلٍ عسكريٍّ وسياسيٍّ متراكم.

كان يحلم بصورة أحد قادة المقاومة في غزة، ليصنع منها روايته، ويغلق بها ملفّاً مفتوحاً على العجز والخسارة.

 

حين بحث عنهم، لم يجدهم حيث اعتاد أن يجد قادة خصومه: بعيدين عن النار، محصّنين خلف الخرائط، أو محاطين بطبقاتٍ من الحراسة والخطاب.

وجدهم في المكان الذي لا تحتمله سرديته: في خطّ الدفاع الأول، في قلب الميدان، بين الركام واللهب، يقاتلون كما يقاتل الجنود، لا كقادةٍ تُدار المعارك باسمهم من الخلف.

 

في غزة لم يكن القادة مجرّد عناوين إعلامية، ولا أهدافاً تُلاحَق لالتقاط مشهدٍ أخير.

كانوا فعلاً حيّاً في الميدان، وقراراً يُتخذ تحت القصف، ومواجهةً مباشرة تُفشل الحسابات، وتربك المؤسسة العسكرية، وتعرّي الخطاب الرسمي الذي بُني طويلاً على فكرة “القائد البعيد عن المعركة”.

الاحتلال لم يفشل فقط في اغتيال القادة أو أسرهم، بل فشل في إخضاع مفهوم القيادة نفسه لمنطقه.

فغزة قدّمت نموذجاً سياسياً خطيراً عليه:

قادة بلا مسافة عن شعبهم، بلا امتيازات، بلا حصانة رمزية، وبلا انفصال بين القرار والدم.

 

لأن المعركة لم تعد عسكرية فحسب، بل معركة على الرواية، وعلى المعنى، وعلى تعريف القوة.

وما لم يستطع الاحتلال تحويله إلى صورة نصر، اضطر لمواجهته كحقيقة ميدانية تُفشل دعايته، وتُسقط تفوّقه المزعوم، وتكشف هشاشة جيشه أمام إرادة لا تُدار من غرفٍ مغلقة.

الحزن هنا ليس فقط على الدم الفلسطيني المسفوك، ولا على المدن التي تُمحى عن الخريطة،

بل على عالمٍ سياسيٍّ أعمى، لا يرى أن ما يجري في غزة ليس “مواجهة”، بل فضحٌ تاريخيٌّ لمنظومة احتلالٍ عجزت عن كسر الإرادة، فلجأت إلى القتل الجماعي كبديلٍ عن النصر.

في غزة لم يحصل الاحتلال على صورته.

حصل على ما لم يكن مستعداً له:

هزيمة بلا لقطة ختامية،

وقادة يصنعون المعركة بدل أن يُصوَّروا بعدها،

وميدانٍ يكتب السياسة بدمه… لا ببيانات النصر الكاذبة.

 

محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

من فرعون إلى النمرود: طغيانٌ يتكرّر… وغزّة تدفع الثمن!

في كلّ مرةٍ يتوهّم فيها المستبدّ أنّه بلغ ذروة القوّة، وأنّ قبضته أغلقت أبواب السماء، يبدأ العدّ التنازلي لسقوطه. هكذا علّمنا التا… تتمة »


    ابراهيم العلي

    في ظلال يوم الأرض الفلسطينون : متجذرون ولانقبل التفريط

    ابراهيم العلي

     يعد انتزاع الاراضي من أصحابها الأصليين الفلسطينيين والإستيلاء عليها أحد أهم مرتكزات المشروع الصهيوني الاحلالي ، فالأيدلوجية الصهي… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون