محمود البوليس: من بيت فجار إلى موسكو… فخرٌ يولد من الحزن
محمود كلّم
كاتب فلسطينيفي إنجازٍ ثقافيّ وفنيّ لافت يبعث على الفخر والاعتزاز، أعلنت روسيا رسمياً تتويج الفنان التشكيلي الفلسطيني محمود البوليس بلقب «فنان العام 2024–2025»، وذلك ضمن قائمة ضمّت ستة فنانين تشكيليين عالميين، جرى اختيارهم بعد عملية تقييم دقيقة أشرفت عليها لجنة دولية متخصصة.
ويكتسب هذا التتويج أهميةً خاصة لكونه شمل فنانين فقط من الوطن العربي، هما:
الفنان سليمان منصور (القدس – فلسطين)،
والفنان محمود البوليس (عمّان – الأردن)،
وهو ما يشكّل اعترافاً دولياً رفيع المستوى بقيمة الفن العربي وقدرته على الحضور والتأثير في المشهد الثقافي العالمي.
وخلال مؤتمرٍ صحفيّ عُقد في قلب العاصمة الروسية موسكو، أعلنت اللجنة الثقافية التابعة لمؤسسة ROOChR أسماء الفائزين، بحضور نخبة من الشخصيات الثقافية والفنية والإعلامية.
وقال السيد أندريه ميخائيلوفيتش كريلوف، المستشار العام لمدينة موسكو ورئيس لجنة الجوائز في اللجنة الثقافية التابعة للمؤسسة:
«من بين مئات الفنانين من روسيا والعالم، جرى اختيار ستة نجوم فنيين يمثلون قمة الإبداع والتأثير. ومن بينهم، يحق لنا أن نفخر بمحمود البوليس وسليمان منصور؛ فنانان حازا على القلب والعقل بفنهما الراقي ورسالتهما الإنسانية التي تتجاوز الحدود».
ويأتي تتويج الفنان محمود البوليس تقديراً لإسهاماته الفنية والإنسانية المتكاملة، إذ نجح في تحويل الفن إلى صوتٍ للشعب الفلسطيني، ووثيقةٍ بصرية تؤرّخ للأحداث المعاصرة، وتكشف معاناة الإنسان تحت الظلم والاحتلال.
وخلال السنوات الثلاث الماضية، شارك البوليس في أكثر من مئة معرض دولي في روسيا، ضمن مشروع «فلسطين بعيون فنانين روس وأجانب»، مقدّماً من خلال أعماله سردية فنية عميقة عن تاريخ الشعب الفلسطيني وثقافته وتراثه.
وقد جسّد في لوحاته معاناة الأبرياء من صحفيين وأطفال ونساء وكبار سنّ وأطباء وأكاديميين استُشهدوا، مترجماً الألم الإنساني إلى لغة اللون والخط، ومؤكدا أن الفن ليس مجرد تجربة جمالية، بل أداة للعدالة والتغيير، ووسيلة لرفع الصوت في وجه الظلم ونشر الوعي بقضايا الإنسانية.
ويعمل الفنان محمود البوليس ليلاً ونهاراً، واضعاً فنه في خدمة الحقيقة، ومؤمناً بأن الريشة يمكن أن تكون شاهداً وشريكاً في النضال الإنساني.
وأشارت اللجنة إلى أن قرار منح لقب «فنان العام 2024–2025» للفنان محمود البوليس جاء بالإجماع، بعد دراسة معمّقة لجميع أعماله ومشاركاته الفاعلة في المشهد الفني الدولي، تقديراً لرؤيته الفنية الثاقبة، وعمق رسالته الإنسانية، وقدرته على ربط الفن بقضايا الشعوب العادلة.
وينحدر الفنان محمود البوليس من بلدة بيت فجار الواقعة جنوب بيت لحم، بين الخليل وبيت لحم، وهي أرض حملها معه في الذاكرة والوجدان، وحوّلها إلى حضورٍ دائم في أعماله الفنية أينما عُرضت.
إن تتويج الفنان محمود البوليس ليس إنجازاً شخصياً فحسب، بل هو انتصار للفن الملتزم، وللرواية الفلسطينية، وللثقافة العربية التي تثبت، مرةً بعد أخرى، قدرتها على الوصول والتأثير في أوسع الفضاءات العالمية.
ورغم هذا التتويج العالمي، يبقى القلب مثقلاً بالحزن…
فالفنان الذي تُرفع أعماله اليوم في عواصم العالم، ما زال يرسم وجع وطنه تحت سماءٍ مثقلة بالدخان، وما زالت لوحاته تنزف أسماء الشهداء، وملامح الأطفال، وصرخات الأمهات.
نفتخر بمحمود البوليس، لا لأنه فاز بلقب «فنان العام» فحسب،
بل لأنه اختار أن يكون فناناً في زمن القسوة،
وأن يحمل فلسطين على كتفيه في ليلٍ طويل لم ينتهِ بعد.
في ظلام هذا الليل، تظل ريشته ضوءاً،
وتظل لوحاته شهادةً حيّة على أن الحق لا يموت،
وأن الفن، حين يكون صادقاً،
لا يُهزم… وإن طال الليل.
*من هو الفنان محمود البوليس؟
محمود البوليس فنان تشكيلي وكاتب ومؤرخ عربي من أصل فلسطيني، وُلد في بلدة بيت فجار – بيت لحم عام 1969.
أقام العديد من المعارض الفنية في الأردن وفلسطين والعراق، إضافة إلى عواصم عربية وعالمية، وكرّس جزءاً كبيراً من تجربته الفنية لتوثيق وتأريخ القضية الفلسطينية من خلال لوحات تحمل بعداً إنسانياً ووطنياً عميقاً.
بدأ الرسم منذ طفولته مستخدماً قلم الرصاص، حيث أبدع في رسم البورتريه والطبيعة الصامتة، ثم انتقل لاحقاً إلى اللون ليعبّر عمّا يجيش في داخله من ثورة ومشاعر عبر الخط واللون. فكانت أعماله الأولى تجسّد صور الشهداء، ومعاناة الأطفال، والتراث الفلسطيني الأصيل، فيما بقيت القدس حاضرة في عينيه ووجدانه.
ومع تطور تجربته الفنية، تبلور له أسلوبه الخاص الذي يمزج بين السريالية والتجريد، مقدّماً سريالية في الموضوع وتجريداً في الشكل، ليخلق لغة بصرية مميزة تعبّر عن الواقع الفلسطيني بروح فنية معاصرة.
محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.



أضف تعليق
قواعد المشاركة