من فرعون إلى النمرود: طغيانٌ يتكرّر… وغزّة تدفع الثمن!

منذ 12 ساعة   شارك:

محمود كلّم

كاتب فلسطيني

في كلّ مرةٍ يتوهّم فيها المستبدّ أنّه بلغ ذروة القوّة، وأنّ قبضته أغلقت أبواب السماء، يبدأ العدّ التنازلي لسقوطه. هكذا علّمنا التاريخ، وهكذا تروي الحكايات القديمة التي لم تشخ، من فرعون الذي قال: «أنا ربكم الأعلى»، إلى النمرود الذي خاصم إبراهيم عليه السلام في ربّه، فخاصمه الله ببعوضةٍ أنهت جبروته، وأنزلته من عرش الوهم إلى قاع الهلاك.

اليوم تعود هذه الحكايات لا بوصفها قصصاً بعيدة، بل واقعاً حيّاً يُكتب بالدم في غزّة. هناك حيث يُمارَس الطغيان بأقصى درجاته، وحيث يُختَبَر ضمير العالم في امتحانٍ فشل فيه فشلاً ذريعاً. غزّة المحاصَرة بالجوع والنار، لا تواجه آلة قتلٍ عمياء فحسب، بل تواجه خذلاناً عالمياً صريحاً، وصمتاً دولياً أقسى من القصف.

غرور المستبدّين ليس خطأً عابراً، بل مرضٌ قاتل. يبدأ حين يخلط الطغاة بين القوّة والحقّ، وبين السلاح والشرعية، فيظنّون أنّ الشعوب خُلقت لتُسحق، وأنّ دم الأطفال مجرّد “أضرار جانبية”. وفي غزّة، بلغ هذا الغرور ذروته، حتى بات قتل المدنيين سياسة، وتجويع الناس أداة، وتدمير البيوت إنجازاً يُحتفى به على شاشات العالم.

لكنّ الطغيان لا يعيش وحده؛ إنّه يتغذّى من صمت المتفرّجين. العالم الذي يرفع شعارات حقوق الإنسان، وقف عاجزاً و متواطئاً و متجاهلاً. بيانات باردة، ووعود جوفاء، ومؤتمرات لا توقف نزيفاً ولا تُنقذ طفلاً. خُذلت غزّة لأنّ دمها ليس أولوية، ولأنّ المظلوم حين لا يكون قوياً بما يكفي، يُترك وحيداً في مواجهة الجريمة.

الحزن الحقيقي لا يكمن فقط في حجم الدمار، بل في هذا الشعور القاسي بأنّ العالم كلّه أدار ظهره. حزن الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءً لن يعودوا، وحزن الآباء الذين يبحثون بين الركام عن بقايا حياة، وصمت القبور الجماعية التي كُتب عليها اسم واحد: “الخذلان”. هنا يصبح السؤال أكثر إيلاماً: لماذا يتأخّر العدل، ولماذا يبدو الظلم مطلق اليدين؟

ومع ذلك ورغم هذا السواد الكثيف، لا يجوز أن يتحوّل الألم إلى يأس. فالله الذي أغرق فرعون، وكسر النمرود، هو نفسه الذي قال: «ولا تحسبنّ الله غافلاً عمّا يعمل الظالمون». ما يجري في غزّة ليس دليلاً على غياب الله، بل امتحان قاسٍ لإيمان البشر، وفضيحة أخلاقية لنظام عالميّ يدّعي العدالة ويمارس الانتقائية.

عدم اليأس من رحمة الله، في غزّة ليس خياراً سهلاً، بل فعل مقاومة. هو ما يُبقي الإنسان إنساناً وسط المجزرة، وما يمنع المظلوم من الانكسار الداخلي. هو الإيمان بأنّ الطغيان، مهما تجبّر، يحمل بذور سقوطه، وأنّ الظلم، مهما طال، لا يتحوّل إلى قدر.

قد لا نرى نحن لحظة الحساب، وقد لا نشهد سقوط المستبدّين الذين دمّروا غزّة، لكنّ السنن لا تتبدّل: لا قوّة تدوم على دم الأبرياء، ولا احتلال ينجو من لعنة المظلوم، ولا عالمٌ يتجاهل المجازر دون أن يدفع ثمن صمته. وفي هذا اليقين وحده، ما يخفّف الحزن، ويمنح الأمل معنى، ويؤكّد أنّ رحمة الله أوسع من خذلان العالم كلّه، وأنّ العدالة، وإن تأخّرت، لا تموت.

 

محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

من فرعون إلى النمرود: طغيانٌ يتكرّر… وغزّة تدفع الثمن!

في كلّ مرةٍ يتوهّم فيها المستبدّ أنّه بلغ ذروة القوّة، وأنّ قبضته أغلقت أبواب السماء، يبدأ العدّ التنازلي لسقوطه. هكذا علّمنا التا… تتمة »


    ابراهيم العلي

    في ظلال يوم الأرض الفلسطينون : متجذرون ولانقبل التفريط

    ابراهيم العلي

     يعد انتزاع الاراضي من أصحابها الأصليين الفلسطينيين والإستيلاء عليها أحد أهم مرتكزات المشروع الصهيوني الاحلالي ، فالأيدلوجية الصهي… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون