فصائل السلام… حين حارب الفلسطينيون ثورتهم، ويُعاد المشهد اليوم

منذ 23 ساعة   شارك:

محمود كلّم

كاتب فلسطيني

من ثورة 1936 إلى غزة والضفة والشتات… التاريخ يُعيد أدواته.

لم تكن الثورة الفلسطينية الكبرى (1936–1939) مجرّد فعلٍ عابرٍ ضدّ الاحتلال البريطاني، بل كانت أول محاولة فلسطينية شاملة لصياغة مشروع تحرري جامع، سابقٍ للنكبة، ومؤسِّسٍ للوعي الوطني الحديث. غير أنّ هذه الثورة، التي اتسعت رقعتها واشتدّ عودها، لم تُهزم فقط بفعل القوة العسكرية البريطانية، بل انكسرت من الداخل، حين نشأت ظاهرة عُرفت في الذاكرة الشعبية باسم «فصائل السلام».

تسميةٌ مخادعة، تخفي خلفها واحدةً من أكثر الصفحات سواداً في التاريخ الفلسطيني: فصائل فلسطينية سلّحها الاحتلال، ومَوّلها، ووفّر لها الغطاء، لتقويض الثورة، وملاحقة الثوار، وتحويل الصراع من مواجهة مع المستعمِر إلى اقتتالٍ داخلي أنهك المجتمع، ومهّد للهزيمة الكبرى.

تشكلت «فصائل السلام» في النصف الثاني من عام 1938، بعد أن فشلت بريطانيا في إخماد الثورة بالقوة المباشرة. حينها، انتقل الجنرال البريطاني تشارلز تيغارت إلى استراتيجية أكثر دهاءً: تحصين الاحتلال، وخلق عدوٍّ فلسطيني للثورة من داخلها.

لم يكن عناصر هذه الفصائل غرباء عن المجتمع أو جغرافيته؛ كانوا أبناء القرى، وبعضهم قادةً سابقين في الثورة، يعرفون طرق الإمداد، وأسماء الثوار، ونقاط ضعفهم. وهنا تكمن خطورة النموذج: قمعٌ بأيدٍ محلية، وشرعيةٌ زائفة باسم «الأمن» و«النظام».

قاد هذا المشروع شخصيات بارزة، مثل فخري النشاشيبي، الذي مثّل جناحاً سياسياً مناوئاً للثورة، ونسج علاقاتٍ وثيقةً مع البريطانيين، وفخري عبد الهادي، القائد الثوري السابق الذي تحوّل إلى رأس حربة في ملاحقة رفاق الأمس، خصوصاً في جبل النار، مركز الثقل الثوري آنذاك.

لم يكن انقلاب فخري عبد الهادي حادثاً فردياً، بل نموذجاً متكرراً في الثورات المُنهكة: قائدٌ يبدأ ثورياً، ثم يتحوّل، بفعل الطموح أو الصراع أو الرعاية الخارجية، إلى أداةٍ لضرب الثورة ذاتها. تحت قيادته، ارتُكبت جرائم اغتيال، وفُتحت أبواب الثأر، وتحوّلت القرى إلى ساحات تصفية حسابات، بينما كانت الدوريات البريطانية تراقب – وأحياناً تشارك – في مشهد التفكك.

بلغ الانهيار ذروته حين صار عناصر «فصائل السلام» يرافقون القوات البريطانية، بوجوهٍ مغطّاة، للتعرّف على الثوار واعتقالهم وإعدامهم. لم تعد الثورة تُستنزف فقط بالسلاح، بل بتشويه صورتها، واتهامها بالإرهاب، ونزع الحاضنة الشعبية عنها.

بعد أكثر من ثمانية عقود، يعود السؤال بإلحاح: هل انتهت «فصائل السلام»، أم تغيّرت تسمياتها فقط؟

في غزة، حيث يُحاصَر مشروع المقاومة بالنار والجوع، تُرفع شعارات «التهدئة» و«الواقعية» في وجه أي فعلٍ مقاوم، ويُصوَّر الصمود كعبءٍ على الشعب، لا كخيارٍ اضطراري في مواجهة الإبادة.

في الضفة الغربية، تُدار المعركة بأدواتٍ مختلفة: تنسيقٌ أمني مقدس، ملاحقةٌ للمقاومين، وخطاب «حماية المشروع الوطني» الذي يتحوّل عملياً إلى حماية الاحتلال من كلفة وجوده. يتكرر المشهد القديم: فلسطيني يطارد فلسطينياً باسم الاستقرار، فيما يتوسع الاستيطان بلا عوائق.

أما في الشتات، فتتجلّى النسخة الناعمة من «فصائل السلام»: تجفيف الخطاب الثوري، تجريم المقاومة أخلاقياً، وترويج سرديات «ما بعد التحرير»، وكأنّ المشكلة في أدوات النضال لا في استمرار الاحتلال ذاته.

انتهت الثورة الكبرى رسمياً عام 1939، لكن آثار «فصائل السلام» لم تنتهِ بمقتل قادتها. لقد خلّفت مجتمعاً مُنهكاً، منقسماً، فاقداً للثقة، وهو ما ظهر بوضوح في عجز الفلسطينيين عن صدّ مشروع النكبة عام 1948.

التاريخ لا يُعيد نفسه حرفياً، لكنه يُعيد أنماطه. وكل سلطة فلسطينية، أو جماعة، أو خطاب، يوجّه سلاحه – المادي أو الرمزي – نحو مشروع تحرري، ويبرّر ذلك بالأمن أو المصلحة أو الواقعية، إنما يقف، بوعيٍ أو بدونه، في الموقع ذاته الذي وقفت فيه «فصائل السلام».

السؤال اليوم ليس تاريخياً، بل راهنٌ بامتياز:

هل يتعلّم الفلسطينيون من ثورتهم التي هُزمت من الداخل، أم يواصلون إنتاج الهزيمة بأسماءٍ جديدة؟

 

محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

غزة تموت بصمت… والعالم يكتب تقاريره!

مع بداية ما يُسمّى بالمرحلة الثانية لوقف إطلاق النار، تبدو غزة وكأنها خرجت من تحت الركام لتدخل تحته من جديد، لكن هذه المرة بصمتٍ أ… تتمة »


    ابراهيم العلي

    في ظلال يوم الأرض الفلسطينون : متجذرون ولانقبل التفريط

    ابراهيم العلي

     يعد انتزاع الاراضي من أصحابها الأصليين الفلسطينيين والإستيلاء عليها أحد أهم مرتكزات المشروع الصهيوني الاحلالي ، فالأيدلوجية الصهي… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون