غزة تموت بصمت… والعالم يكتب تقاريره!

منذ يومين   شارك:

محمود كلّم

كاتب فلسطيني

مع بداية ما يُسمّى بالمرحلة الثانية لوقف إطلاق النار، تبدو غزة وكأنها خرجت من تحت الركام لتدخل تحته من جديد، لكن هذه المرة بصمتٍ أشد قسوة. لا صوت للقصف، نعم، لكن الضجيج الأكبر يسكن في الخراب، في الجوع، في الخيام الممزقة، وفي عيون الناس التي لم تعد تصدّق الكلمات.

المرحلة الأولى كانت مهزلة حقيقية.

مهزلة باسم الإنسانية، وباسم السياسة، وباسم “خفض التصعيد”.

لم تكن وقفاً لإطلاق النار، بل وقفاً للحياة.

توقفت الصواريخ قليلاً، لكن الموت لم يتوقف:

مات الناس من الجوع،

ومن البرد،

ومن النزيف البطيء لكرامتهم.

في المرحلة الأولى، لم تُرمَّم البيوت،

لم تُفتح المعابر كما وُعد،

لم تدخل المساعدات بما يكفي،

ولم يُداوَ الجرح، بل تُرك مكشوفاً ليتعفن.

كان العالم يراقب، ويعدّ الأيام،

كأن غزة تجربة مؤقتة لا بشراً حقيقيين.

واليوم، مع بداية المرحلة الثانية،

لا تحمل غزة آمالاً كبيرة،

فمن خُذل مرة، لا يحلم بسهولة.

الناس لا تسأل عن البنود ولا عن الجداول الزمنية،

تسأل فقط:

هل سنعيش؟

هل سنعود إلى بيوت لم تعد موجودة؟

هل ستكفّ الهدنة عن كونها استراحة للمجرم،

وعقوبة إضافية للضحية؟

غزة اليوم مدينة متعبة.

تعيش على حافة الانتظار،

وتتنفس بحذر،

وتحسب الخذلان أكثر مما تحسب الخسائر.

كل مرحلة جديدة تُعلن،

تُقابَل بخوفٍ قديم:

أن تكون مجرد عنوان أنيق لعجزٍ قبيح.

الوجع ليس في فشل الاتفاقات وحدها،

بل في الطريقة التي يُدار بها الألم.

في عالم يتحدث عن السلام من خلف الشاشات،

ويترك شعباً كاملاً بلا مأوى، بلا دواء، بلا أفق.

في عالم يقيس نجاح الهدنة بعدد الأيام،

لا بعدد الأرواح التي نجت فعلاً.

غزة لا تطلب المستحيل.

لا تطلب شفقة،

ولا خطابات،

ولا مؤتمرات جديدة.

تطلب فقط عدالة حقيقية،

ووقفاً للنار لا يوقف الحياة معها،

وهدنة تُعيد الإنسان إلى إنسانيته،

لا تُحوّله إلى رقم في تقرير.

وفي غزة، لا تُقاس المراحل بمدى التقدّم، بل بعمق الخذلان.

كل هدنة تمرّ، تترك خلفها مدينة أكثر تعباً، وقلوباً أقل قدرة على الانتظار.

في غزة لا يحتفل الناس بوقف إطلاق النار،

بل يخافون من لحظة عودته،

ويحزنون لأنهم تعلّموا أن الهدوء قد يكون مجرد اسم آخر للألم المؤجل.

غزة لا تدخل مرحلة جديدة،

غزة تدخل ليلاً أطول.

ليلاً بلا كهرباء،

بلا بيوت،

وبلا وعود يمكن الوثوق بها.

ومع كل صباح،

تستيقظ المدينة على سؤال واحد يتكرر بصمت:

هل كُتب علينا أن ننجو فقط…

لنُخذل من جديد؟

 

محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

غزة: ذاكرة الدم!

رغم الحصار والحروب المتعاقبة، ما زالت غزة تكتب حكايتها بالنزف والصمود، وتواجه الألم اليومي بإرادة لا تنكسر، رافضةً أن تكون مجرد رق… تتمة »


    ابراهيم العلي

    في ظلال يوم الأرض الفلسطينون : متجذرون ولانقبل التفريط

    ابراهيم العلي

     يعد انتزاع الاراضي من أصحابها الأصليين الفلسطينيين والإستيلاء عليها أحد أهم مرتكزات المشروع الصهيوني الاحلالي ، فالأيدلوجية الصهي… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون