غزة: ذاكرة الدم!

منذ يوم   شارك:

محمود كلّم

كاتب فلسطيني

رغم الحصار والحروب المتعاقبة، ما زالت غزة تكتب حكايتها بالنزف والصمود، وتواجه الألم اليومي بإرادة لا تنكسر، رافضةً أن تكون مجرد رقم في ذاكرة العالم.

في غزة، لا تُكتب الأخبار بالحبر وحده، بل بالدمع والدم، وبأسماءٍ تُضاف كل يوم إلى قائمة الغياب الطويلة. في غزة، حيث يختلط صوت الأذان بدويّ الانفجارات، لا يسأل الناس عن موعد الفرح، لأنهم أدركوا أن الفرح مؤجَّل، وأن الحزن هو الزائر الدائم.

غزة، التي أنهكتها الحروب المتعاقبة، لم تفقد ذاكرتها، ولم تتنازل عن حقيقتها. هذه المدينة الصغيرة في مساحتها، الكبيرة في جراحها، تعرف جيداً من خانها، كما تعرف من دافع عنها حتى آخر نَفَس. فالأرض التي ارتوت بدماء الشهداء لا تخطئ في تمييز أبنائها، ولا تقبل أن يُفرض عليها وجهٌ غريب أو صوتٌ مزيف.

في الأزقة الضيقة، تمشي الأمهات مثقلاتٍ بصمتٍ أثقل من الكلام. يحملن صور أبنائهن أكثر مما يحملن الخبز، وينتظرن نهاية لا تأتي. في كل بيت حكاية ألم، وفي كل نافذة انتظار طويل، وفي كل قلب سؤال واحد: إلى متى؟

غزة لا تتزين بالشعارات، ولا تتغنى بالقوة، لكنها تعرف معنى الصمود الحقيقي؛ صمود من ينام على الخوف ويستيقظ على القصف، ثم يخرج ليبحث عن حياة بين الركام. في غزة، الرجولة ليست خطاباً، بل موقف، وليست ادعاءً، بل تضحية تُدفع ثمنها أرواحٌ بريئة.

الألم في غزة ليس طارئاً، بل متراكم، يتناسل من جيل إلى جيل. أطفالها كبروا قبل أوانهم، تعلّموا أسماء الطائرات قبل أسماء الألعاب، وحفظوا طرق الهروب قبل طرق المدرسة. ومع ذلك، ما زالوا يضحكون أحياناً، كأنهم يتحدّون هذا العالم القاسي بابتسامة صغيرة.

وفي خضم هذا الحزن الثقيل، تبقى غزة شوكةً في حلق من أراد لها النسيان أو الانكسار؛ لا لأنها تعشق الألم، بل لأنها ترفض الاستسلام. وما زالت غزة تكتب حكايتها بالنزف والصمود، وتواجه الألم اليومي بإرادة لا تكون نشرة أخبار، أو صورة عابرة في ذاكرة العالم، بل ثابتة في ذاكرة الدم.

غزة حزينة، نعم، لكنها ليست ميتة. مجروحة، لكنها لم تنحنِ. وكل من يظن أن كثرة الجراح ستجعلها تخون نفسها، لا يعرف غزة، ولا يعرف الشعب الفلسطيني. فهذه الأرض، التي لفظت الخيانة مراراً، ما زالت تنبض بالحياة، وتكتب حكايتها كل يوم… بحزنٍ عميق، وأملٍ عنيد لا يموت.

 

محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

توفيق سعيد حجير

استفيقوا… فما يُستهدف ليس وكالة بل شعب وحق وذاكرة

نحن لا نعيش أزمة عابرة داخل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" ولا نقف أمام إجراءات إدارية مؤقتة بل نواجه مساراً خطي… تتمة »


    ابراهيم العلي

    في ظلال يوم الأرض الفلسطينون : متجذرون ولانقبل التفريط

    ابراهيم العلي

     يعد انتزاع الاراضي من أصحابها الأصليين الفلسطينيين والإستيلاء عليها أحد أهم مرتكزات المشروع الصهيوني الاحلالي ، فالأيدلوجية الصهي… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون