غزة ليست ملفاً: إنها الدم تحت الركام!

منذ شهر   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

غزة… حين يجتمع العالم لإدارتها ويتفرّق عن دمها!

 

كل هذا العالم اجتمع ليحكم غزة، ولم يجتمع أحد ليوقف نزيفها.

انه عالم منافق .

بلا اخلاق

لا يخجل من قبحه واجرامه.

غزة ليست ملفا اداريا ولا طاولة مفاوضات، هي دم تحت الركام.

انه سلام الغدر والخيانة .

بهذه الكلمات يمكن اختصار المشهد بأكمله، لا بوصفه انفعالاً عابراً، بل حقيقة سياسية فاضحة، عارية من أي تجميل. غزة اليوم ليست مجرد ساحة حرب، بل مرآة كبرى لانكشاف هذا العالم، عالم يتغنّى بالقيم بينما يتقن إدارة المذابح، ويتحدّث عن السلام فيما يبرّر الإبادة بالصمت، أو ببيانات باردة لا ترى في الدم سوى “تفصيل مؤسف”.

اجتمعوا… نعم، اجتمعوا.

قممْ .. قمم ْ.. قممْ ..

قممْ ..

قمم دولية، جلسات طارئة، طاولات مفاوضات، خرائط ملوّنة، وملفات سميكة. اجتمعوا ليقرّروا مستقبل غزة بعد الدمار، من يحكمها، كيف تُدار، وكيف تُضبط، لكنها ليست اجتماعات بقدر ما هي مؤامرات مغطّاة بالديبلوماسية، تُدار فيها الجريمة بلغة ناعمة، ويُعاد فيها إنتاج القتل تحت عناوين “الاستقرار” و“اليوم التالي”.

بدل هذه الاجتماعات، ادخلوا خيمة لطفل يحتمي بها من البرد القارس.

ادخلوا حبّة دواء إلى جسد مريض يتآكله الألم.

ادخلوا معدّات الإنقاذ ورفع الأنقاض،

ليُبحث عن الشهداء تحت الركام،

عن الأجساد التي ما زالت محاصَرة تحت البيوت المهدّمة،

عن أسماء لم تُدفن بعد، وعن وداع لم يُستكمل.

في خطابهم، تحوّلت غزة إلى “ملف”.

والملف لا ينزف.

الملف لا يصرخ.

الملف لا يُدفن أطفاله جماعياً.

أما غزة الحقيقية، فهي خارج قاعاتهم المكيفة، وخارج لغتهم الخشبية، وخارج حساباتهم السياسية. غزة هي أمّ تنبش الركام بيديها العاريتين بحثاً عن ابنها. هي مستشفى بلا كهرباء، وجرحى بلا دواء، وسماء تمطر ناراً بدل المطر.

هذا العالم لا يخجل.

لا يخجل من ازدواجية معاييره، ولا من وقاحته وهو يطالب الضحية بضبط النفس، ولا من صمته وهو يرى الجريمة تُرتكب على مرأى من الشاشات. يتحدّث عن القانون الدولي حين يشاء، ويعلّقه حين تكون غزة هي الضحية. يرفع شعارات حقوق الإنسان، ثم يصمّ أذنيه حين يكون الإنسان فلسطينياً.

ما يجري ليس فشلاً سياسياً فحسب، بل انهيار أخلاقي كامل.

سلامهم ليس سلاماً، بل غدرٌ مُنظَّم.

ومبادراتهم ليست حلولاً، بل إدارة للألم، وتأجيل للموت، وتجميل للجريمة.

غزة لا تطلب شفقة، ولا بيانات قلق، ولا وساطات كاذبة. غزة تطلب أمراً واحداً فقط: أن يتوقف هذا العالم عن التواطؤ، وأن يعترف بأن الدم ليس بنداً ثانوياً في دفاتر السياسة.

لكنهم لن يفعلوا.

لأنّ عالماً يقبل أن تنزف غزّة إلى هذا الحدّ، هو عالمٌ فقد إنسانيته منذ زمن.

 

محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

غزة وجنوب لبنان… حين تتحوّل الأرض إلى مقبرة مفتوحة والسماء إلى ساحة حرب

بين أنقاض غزة وجراح جنوب لبنان… حكاية ألم لا تنتهي. في الشرق الأوسط، حيث تختلط رائحة البحر برائحة البارود، تقف غزة وجنوب لبنان … تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون