الخيانة كوجهٍ آخر للاحتلال!

منذ -121032 ثانية   شارك:

محمود كلّم

كاتب فلسطيني

ليست الخيانة فعلاً هامشياً في تاريخ الأوطان، بل جريمة صامتة تُرتكب من الداخل، حين يتحوّل بعض أبنائها إلى أدوات بيد الاحتلال، فيُفتح الباب الذي عجزت المدافع عن كسره، ويُترك الوطن وحيداً في مواجهة طعنة لا تُرى… لكنها الأكثر إيلاماً.

 

في كل الأزمنة، وعندما تشتد العواصف على الأوطان، يظهر أولئك الذين يختارون الوقوف في الجهة الخطأ من التاريخ. لا يحملون السلاح دائماً، ولا يرفعون راية العدو علناً، لكنهم يفتحون الأبواب من الداخل، ويمهّدون الطريق للاحتلال، ويساهمون — بصمت أو بتبرير — في تدمير ما تبقّى من روح البلاد.

الخيانة ليست لحظة عابرة، بل مسار كامل من الانفصال عن الذاكرة الجماعية، عن دماء الشهداء، وعن صبر الأمهات اللواتي انتظرن أبناءهن ولم يعودوا. هي قرار واعٍ بالاصطفاف مع القوة الغاشمة ضد الضعفاء، ومع الخراب ضد الحياة، ومع الزيف ضد الحقيقة. وحين يبرّر الخائن فعلته باسم الواقعية السياسية، أو المصالح، أو الخوف، فإنه لا يفعل سوى إعادة إنتاج المأساة بلغة باردة وخالية من الضمير.

التاريخ قاسٍ، لكنه عادل على المدى الطويل. قد يربح الخائن لحظة نفوذ، أو مقعداً، أو حماية مؤقتة، لكن المصير المخزي يلاحقه كظل لا يختفي. لا يخلّده الناس في ذاكرتهم إلا كعبرة، ولا تذكره الكتب إلا في الهوامش السوداء. فالأوطان قد تُهزم عسكرياً، لكنها لا تغفر لمن طعنها من الخلف.

وما يزيد الحزن عمقاً أن الخيانة لا تدمّر الحاضر فقط، بل تسرق المستقبل. فهي تترك أجيالاً مثقلة بالشك، فاقدة للثقة، تتعلّم باكراً أن الخطر لا يأتي دائماً من الخارج، بل قد يسكن اللغة نفسها، والخطاب نفسه، والوجوه التي تدّعي الحرص بينما تساوم على السيادة.

في زمن الانكسارات الكبرى، لا نحتاج إلى خطب عالية بقدر ما نحتاج إلى ذاكرة يقظة. ذاكرة تميّز بين من أخطأ وهو يقاوم، ومن خان وهو يبتسم. فالأوطان تُبنى بالتضحيات، لكنها تُهدم حين تتحوّل الخيانة إلى رأي، والاحتلال إلى وجهة نظر.

ويبقى الدرس واضحاً مهما طال الزمن:

كل الذين خانوا أوطانهم وساعدوا المحتلّين في تدميرها، قد يفلتون من الحساب العاجل، لكنهم لا ينجون من المصير المخزي… مصير تحكمه ذاكرة الشعوب، ولا يرحمه التاريخ.

 

محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

 

 

مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

وهل للدم ذاكرة؟

وهل لا يزال اللون أحمر، أم أنّه، مع مرور الوقت، كفّ عن كونه لوناً، وصار معنى؟   سؤال لا يُطرح في مختبرات التاريخ، بل على أرص… تتمة »


    ابراهيم العلي

    في ظلال يوم الأرض الفلسطينون : متجذرون ولانقبل التفريط

    ابراهيم العلي

     يعد انتزاع الاراضي من أصحابها الأصليين الفلسطينيين والإستيلاء عليها أحد أهم مرتكزات المشروع الصهيوني الاحلالي ، فالأيدلوجية الصهي… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون