غزة: آخر المتاريس… وسيرة وطن يُستنزَف حتى الإبادة!

منذ -24767 ثانية   شارك:

محمود كلّم

كاتب فلسطيني

غزة ليست مجرد بقعة جغرافية محاصرة، ولا عنواناً عابراً في نشرات الأخبار، بل ساحة جريمة مكتملة الأركان تُرتكب على الهواء مباشرة. هي آخر المتاريس والطلقات، صورة الوطن الفلسطيني المشظّى في كل اتجاه، والدليل الفاضح على أن هذا العالم لا يتحرك إلا حين لا يكون الضحية فلسطينياً. غزة ليست مأساة طبيعية، بل نتيجة مباشرة لقرار سياسي دولي بإدامة القتل، وتوفير الغطاء الكامل له.

في غزة، لم يبقَ بيتٌ إلا ووسمته الغارات، ولم تبقَ شتلة خضار إلا واقتُلعت قبل أن تثمر. التدمير في غزة ليس أثراً جانبياً للحرب، بل هدفها المعلن والمستتر: سحق الحياة، وتجفيف أسباب البقاء، ودفع الناس إلى حافة الفناء البطيء. في غزة لا يجفّ الدم، لأن آلة القتل لا تتوقف، ولا يموت الناس مرة واحدة، بل يُقتلون جوعاً وعطشاً وقصفاً، تحت سمع وبصر عالمٍ اختار الشراكة بالصمت.

غزة مخزون الدم والكرامة، لا لأنها تمجّد الموت، بل لأنها حُوصرت حتى لم يُترك لها خيار آخر. ما يجري فيها ليس “دفاعاً عن النفس” كما يُروَّج سياسياً، بل عقاب جماعي مكتمل، وإبادة ممنهجة لشعب أعزل. وجع غزة ليس طارئاً، بل سيرة نضال طويلة في مواجهة مشروع اقتلاع مستمر، تُسلَّم فصوله من جيل إلى جيل كما تُسلَّم الوصايا.

سياسياً، غزة إدانة صريحة للنظام الدولي القائم. هي شهادة فشل أخلاقي وقانوني، وفضيحة لمؤسسات تدّعي حماية حقوق الإنسان بينما تبرّر القتل حين يكون القاتل قوياً. في غزة تسقط الأقنعة: قرارات دولية لا معنى لها، بيانات شجب بلا أثر، وميزان عدالة مائل لا يرى إلا دماً واحداً يستحق الحماية. غزة تعرّي ازدواجية المعايير، وتفضح زيف الخطاب الإنساني حين يتحوّل إلى أداة انتقائية.

غزة كل الحكاية، لأنها تختصر جوهر القضية الفلسطينية بلا رتوش. إنسان وُلد ليُطارَد، وليُحاصَر، وليُدفَع إلى مواجهة الموت قبل أن يعرف معنى الحياة. ومع ذلك، ما زالت غزة تقاوم، لا بوهم النصر السريع، بل بإرادة البقاء التي تُرعب جلّاديها. في كل ركام بيت، لائحة اتهام، وفي كل شهيد، سؤال سياسي وأخلاقي موجّه إلى العالم: كم من الدم الفلسطيني يكفي كي تعترفوا بأن ما يجري جريمة لا حرب؟

غزة ليست نهاية الطريق، لكنها الجرح المفتوح الذي يذكّرنا بأن الأوطان لا تموت، حتى حين تُقصف حتى الإبادة.

 

محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

وهل للدم ذاكرة؟

وهل لا يزال اللون أحمر، أم أنّه، مع مرور الوقت، كفّ عن كونه لوناً، وصار معنى؟   سؤال لا يُطرح في مختبرات التاريخ، بل على أرص… تتمة »


    ابراهيم العلي

    في ظلال يوم الأرض الفلسطينون : متجذرون ولانقبل التفريط

    ابراهيم العلي

     يعد انتزاع الاراضي من أصحابها الأصليين الفلسطينيين والإستيلاء عليها أحد أهم مرتكزات المشروع الصهيوني الاحلالي ، فالأيدلوجية الصهي… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون