الأونروا تحت الحصار السياسي: استهداف الشاهد الدولي على قضية اللاجئين الفلسطينيين
ياسر علي
إعلامي وشاعر فلسطينيمنذ تأسيسها عام 1949 بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة (القرار 302)، شكّلت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) أحد أبرز الشواهد الدولية على جريمة اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه، وعلى استمرار قضية اللاجئين بوصفها جوهر الصراع، لا ملفاً إنسانياً عابراً. ولهذا السبب تحديداً، لم تكن الأونروا يوماً بعيدة عن الاستهداف السياسي، ولا سيّما من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.
لم تنحصر وظيفة الأونروا في تقديم الخدمات التعليمية والصحية والإغاثية لأكثر من خمسة ملايين لاجئ فلسطيني في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا والأردن، بل مثّلت اعترافاً دولياً متجدداً بحق اللاجئين وبمسؤولية المجتمع الدولي عن نكبتهم. هذا البعد السياسي–القانوني جعل الوكالة هدفاً مباشراً لمحاولات الإضعاف والتجفيف.
بدأت الضغوط الأميركية تتخذ طابعاً أكثر حدّة منذ الولاية الأولى لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حين قرّرت واشنطن عام 2018 وقف تمويلها بالكامل للأونروا، في خطوة هدفت بوضوح إلى شطب ملف اللاجئين، وإعادة تعريفهم خارج الإطار القانوني الدولي. ورغم استئنافٍ جزئي للدعم في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، فإن التمويل ظلّ مشروطاً ومقيّداً، وترافق مع ضغوط سياسية مستمرة لإعادة هيكلة الوكالة وتقليص دورها.
في المقابل، شنّت دولة الاحتلال حملة ممنهجة ضد الأونروا، متّهمةً إياها بتكريس “حق العودة” وبنشر “خطاب تحريضي” في مناهجها التعليمية، في محاولة لنزع الشرعية عنها وتشويه صورتها أمام المانحين. ومع كل عدوان على قطاع غزة، تصاعدت هذه الحملة، خصوصاً مع استهداف مدارس ومقارّ الأونروا بالقصف، وسقوط عشرات الشهداء من موظفيها، في رسالة واضحة بأن الوكالة ليست محايدة في نظر الاحتلال، بل جزء من معركة الذاكرة والشرعية.
وقد بلغ هذا الاستهداف ذروته خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، حيث استُخدمت اتهامات غير مثبتة بحق بعض موظفي الأونروا ذريعةً لوقف أو تعليق التمويل من عدد من الدول الغربية، في تجاهلٍ فاضح لحجم الكارثة الإنسانية، وللدور الحيوي الذي تقوم به الوكالة في منع الانهيار الكامل للحياة في القطاع.
إن التضييق على الأونروا لا يمكن فصله عن السياق السياسي الأشمل الرامي إلى تصفية قضية اللاجئين، عبر تجفيف موارد الوكالة، وتحويلها من شاهد دولي على الجريمة إلى مؤسسة عاجزة أو منزوعة الدور. فالهجوم عليها هو هجوم على حق العودة، وعلى الرواية الفلسطينية، وعلى أحد آخر مظاهر الالتزام الدولي تجاه شعبٍ ما زال يدفع ثمن نكبته منذ أكثر من سبعة عقود.
ورغم كل ذلك، تواصل الأونروا عملها، نظراً لحاجة الملايين من اللاجئين لها، وإلى حقيقة أنّ وجودها ليس منّة سياسية، بل التزام قانوني وأخلاقي لا يسقط بالتقادم. فمعركة الأونروا اليوم ليست معركة تمويل فقط، بل معركة بقاء الذاكرة حيّة، في مواجهة مشروع يسعى إلى محو الشاهد قبل طمس الجريمة.
إزاء هذا الواقع، قد يبدو مستغرباً ما يقوم به اللاجئون الفلسطينيون في لبنان من احتجاجات ضد الإدارة القائمة والممثلة بشخص المديرة الألمانية دوروثي كلاوس.. إلا أن الحقيقة هي أن هذه المديرة تتساوق إجراءاتها مع الرغبات الأمريكية والصهيونية في تقليص عمل الأونروا وخدماتها في لبنان.. فما هي هذه الإجراءات؟
هذا ما سنتطرق في المقال المقبل



أضف تعليق
قواعد المشاركة