فلسطين في زمن الصّمت الدُّوليِّ… تختارُ الكرامة!
محمود كلّم
كاتب فلسطينيإِنسانيّةٌ تُقاومُ، وأرضٌ تتمسَّكُ بذاكرتِها في وجه المجازر.
في زمنٍ تتآكل فيه القيم أمام ضجيج السلاح، وتُختبر فيه الضمائر على مرأى من العالم، تخرج بعض الأصوات من خارج الجغرافيا العربية لتقول ما عجزت عنه مؤسسات دولية، وما ترددت في قوله حكومات كبرى. صوت الممثل الأمريكي مارك روفالو ليس انفعالاً عابراً ولا موقفاً دعائياً، بل شهادة أخلاقية في لحظة تاريخية شديدة القسوة.
حين يقول روفالو: «الشيء الوحيد الذي أراه دائماً لدى الشعب الفلسطيني هو إنسانيته، وفهمه العميق للكرامة الإنسانية، وقوة هذه الإنسانية في مواجهة القمع بوصفها شكلاً من أشكال المقاومة»، فهو لا يدلي بتصريح فني، بل يضع إصبعه على جوهر المأساة: فلسطين لا تقاوم فقط بالسلاح، بل بالبقاء إنسانيةً في وجه منظومة تحاول نزع الإنسان عن إنسانيته، وطمس اسمه وحقه في الحياة.
ورغم القهر الممتد، والقمع اليومي، والمجازر التي تُرتكب على مرأى من العالم، ما زال الشعب الفلسطيني متمسكاً بأرضه تمسّك الغريق بالحياة. لا بوصفها تراباً فحسب، بل بوصفها هوية وذاكرة وحقاً غير قابل للمساومة. يتمسك بها بيديه العاريتين، وبأسنانه، في مواجهة محاولات الاقتلاع والطمس، وكأن الأرض آخر ما تبقّى له ليقول للعالم: أنا هنا، ولن أرحل.
هذا التمسك ليس عناداً، بل فعل وجود. هو ردّ صامت على آلة القتل، ورسالة واضحة مفادها أن المجازر قد تقتل الأجساد، لكنها تعجز عن انتزاع الانتماء. فالفلسطيني الذي يُحاصر في بيته، أو يُهجّر من مدينته وقريته، لا يحمل معه سوى مفاتيح الذاكرة، ويزرع قدمه في الأرض ولو حُرم منها، لأن العلاقة بينه وبينها ليست علاقة ملكية، بل علاقة مصير.
الحزن الفلسطيني ليس حزناً طارئاً، بل حالة تاريخية متراكمة. هو حزن الأمهات اللواتي يودعن أبناءهن بلا وداع، حزن المدن التي تُقصف ثم تُسأل عن حقها في البكاء، حزن شعب يُطلب منه دائماً أن يبرر وجوده، وأن يختصر ألمه في أرقام وتقارير ونشرات أخبار باردة.
السياسة هنا ليست شعارات ولا بيانات إدانة متأخرة، بل دمٌ حقيقي، وبيوتٌ مهدّمة، وطفولة تُدفن تحت الركام. ومع ذلك، يصرّ الفلسطيني على التشبث بكرامته. كرامة لا تعني التحدي الأجوف، بل تعني أن تظل إنساناً حين يُراد لك أن تتحول إلى رقم، أو إلى «هدف مشروع».
ما يوجع أكثر من القتل، هو الصمت الدولي الممنهج، والازدواجية الأخلاقية التي تُدين الضحية حين تصرخ، وتمنح الجلاد حق الدفاع عن نفسه بلا مساءلة. في هذا المشهد، يصبح تصريح فنان عالمي فعلاً سياسياً بامتياز، لأن السياسة الحقيقية تبدأ حين يُسمّى الظلم باسمه، وحين تُستعاد إنسانية من حاولوا محوها.
فلسطين ليست قضية حدود فقط، ولا صراعاً عابراً في نشرات الأخبار. فلسطين مرآة العالم: من ينحاز لإنسانيتها، ينحاز لفكرة الإنسان نفسها. ومن يبرر قمعها، يبرر انهيار القيم التي يدّعي الدفاع عنها.
لهذا، لم تعد فلسطين في هامش الأمة، بل في قلبها. في قلب سؤالها الأخلاقي، وفي قلب اختبارها الإنساني. فلسطين اليوم ليست فقط أرضاً محتلة، بل ضميراً محاصراً، وإنسانيةً تقاوم كي لا تنطفئ.
وفي زمن الحرب الطويلة، قد تكون الإنسانية هي آخر، وأصدق، وأوجع أشكال المقاومة.
محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.



أضف تعليق
قواعد المشاركة