نزار بنات ويوسف نصّار... حكايات لا تنتهي!
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.كان للشهيد نزار بنات العديد من المحطات والمواقف المضحكة والمحزنة والمبكية مع صديقه يوسف نصّار. لم يكن مجرد إنسان عابر، بل كان حكاية متواصلة من الصدق والعناد والإصرار على المبدأ، حتى في أبسط تفاصيل الحياة.
يروي يوسف نصّار أنه في يوم من الأيام طلب منه نزار أن يذهبا لتحصيل دين مادي على أحد الأشخاص في منطقة تبعد نحو خمسة كيلومترات. كانا يطرقان بابه مراراً وتكراراً، وفي كل مرة يسمعان الجواب نفسه: "مش موجود". شعر يوسف حينها أن الرجل يتملص من سداد الدين، وأن الأمر لا يستحق كل هذا العناء.
في اليوم التالي سأل يوسف صديقه:
– كم قيمة الدين يا نزار؟
فأجاب:
– الفكرة ليست بالمبلغ، بل لا أحب أن يستغلني أحد.
فأعاد يوسف السؤال:
– كم المبلغ يا نزار؟
فأجاب: خمسون شيكلاً، أي ما يعادل خمسة عشر دولاراً.
صرخ يوسف فيه: "يا رجل، صرفتُ بنزين لسيارتي بمبلغ يفوق الخمسين شيكلاً، وجعلتني أطرق باب هذا الشخص على مدى أسبوع كامل لأجل مبلغ زهيد؟"
ابتسم نزار وقال: "الموضوع مبدأ، وسبق أن أخبرتك... أرفض أن يستغلني أحد."
وفي المرة الأخيرة، أصر يوسف أن يتوقف بعيداً مسافة ثلاثين متراً، وأن يذهب نزار وحده ليطالب بدينه. وبعد دقائق عاد نزار حاملاً ورقة الخمسين شيكلاً بكلتا يديه، يعرضها من بعيد كأنه أنجز شيئاً عظيماً.
كان يوسف متأكداً أن المدين لا يملك غيرها، وأن ما دفعه نزار من وقته وجهده للمطالبة بها طوال أسبوع لم يكن من أجل المال، بل من أجل كرامته ومبدئه. فقد كانت حالة طوارئ بسبب تفشي جائحة كورونا، وتوقفت أعماله في المنجرة، والوضع الاقتصادي كان مشلولاً تماماً.
لم يكن نزار يملك المال، ولكن إن ملك القليل منه، يسارع لدعوة صديق على فطور أو غداء أو مشروب. كان كريماً إلى حدّ لا يُتخيّل، ولم يكن يحسب للغد أي حساب.
في ذلك اليوم اشترى الفطور له ولصديقه يوسف، واجتمعا في المزرعة التي كانا يمكثان فيها أياماً طويلة. كانت المزرعة منزلاً قيد الإنشاء يتوسط قطعة أرض مساحتها دونمان، يحيطها سور عالٍ، وفيها بئر ماء وأشجار. جلسا وتناولا الفطور، ثم سجّل نزار أحد فيديوهاته، وتحادثا وشربا القهوة. وبعد ساعات ما بعد العصر غادرا المكان.
وعلى بعد مئة متر، صادفا قطة في الشارع تتلوى ألماً، وقد عرفا أنها تعرضت لحادث دهس من سيارة. صرخ نزار: "توقف! توقف! القطة ستموت من الوجع."
قال يوسف متذمراً: "طيب شو أعملك يعني؟"
فأجاب نزار بإصرار: "وقف، خذها بسرعة إلى الطبيب البيطري."
فمازحه يوسف: "شو رأيك أشغّل صافرة الإنذار؟"
فرد نزار غاضباً: "إيوه، تمسخر!"
حملا القطة وذهبا بها إلى الطبيب البيطري. طلب 30 شيكلاً كشفية، و5 شواكل ثمن حقنة مضاد حيوي لليوم التالي، كما طلب نزار علبتي طعام للقطط بخمسة شواكل إضافية. دفع نزار 40 شيكلاً من مجموع ما يملك، أي الخمسين شيكلاً التي طالب بها لأيام طويلة.
عادا لإرجاع القطة إلى المزرعة، على أن يعطيها نزار الحقنة في اليوم التالي. وفي طريق العودة توقّف ليشتري خبزاً وعلبة سجائر وبعض الحلوى لابنه الطفل خليل الذي كان ينتظره. لكنه عاد ليقول ليوسف: "هات 2 شيكل، نقص عليّ."
فمازحه يوسف: "هو أنا مخلفك وناسيك؟ بدك أصرف على القطط تاعونك؟"
نظر نزار إلى السماء وقال: "يا رب، احسب 2 شيكل ثواباً وأجراً ليوسف نصّار، وأنا بكفيني 38." ثم ضحك وأضاف: "يلا هات."
ظل نزار يهتم بالقطة، وبالطيور، وبالحيوانات في المنطقة حتى بدأت مطاردته. ولا زالت القطة وأبناؤها وأحفادها في المزرعة، ولا يزال يوسف نصّار يعتني بها يومياً، وفاءً لرفيقه.
هكذا كان نزار بنات... لا يُقاس بالعمر ولا بالمال، بل بمواقفه وإنسانيته التي تجاوزت كل اعتبار. عاش على مبدأ أن لا يظلمه أحد، ولم يسمح لنفسه أن يُستغل أو يستغل غيره. كان شهيد المبدأ والإنسانية.



أضف تعليق
قواعد المشاركة