البدو والعشائر: جذورٌ ضاربة في الأرض وتاريخٌ من المجد والوفاء

منذ 3 ساعات   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

حين يُذكر البدو، تُستحضر صورة الإنسان الأصيل الذي ارتبط بالأرض كما يرتبط الجذر بتربته، فلا تزعزعه العواصف ولا تغيّر وجهته تقلّبات الزمن. هم أبناء الصحراء والسهل، حراس الديار، وحُمَاة القيم الأولى التي صاغت هوية هذه المنطقة عبر قرون طويلة. لم يكونوا عابرين في التاريخ، بل كانوا من صنّاعه، يكتبونه بسيوفهم حيناً، وبمروءتهم حيناً آخر.

من بطون القبائل العربية الكبرى، مثل قريش وبني هاشم، تشكّل جزءٌ أصيل من تاريخ العرب والمسلمين. وكان لأبناء القبائل حضورٌ بارز في مراحل مفصلية من التاريخ، حيث أسهموا في بناء الدول، وخاضوا المعارك دفاعاً عن الأرض والعقيدة والكرامة. لقد شكّلوا عماد القوة الاجتماعية والعسكرية في محيطهم، وحملوا مسؤولية الحماية والقيادة في أزمنة الشدّة.

الكرم عند البدو ليس صفة عابرة، بل مبدأ راسخ. الضيافة واجب، وإكرام الضيف شرف، وإغاثة الملهوف فريضة أخلاقية. وقد ارتبط اسم حاتم الطائي في الذاكرة العربية بمثال الجود الذي لا يُضاهى، حتى صار مضرباً للأمثال. وكذلك الفروسية والشجاعة التي جسّدها عنترة بن شداد، حيث امتزج السيف بالكلمة، والبطولة بالشعر.

ومن القيم الراسخة في المجتمع البدوي حفظ الجار وصون العهد. فالجار في عُرفهم أمانة، والاعتداء عليه عار لا يُغتفر. الوفاء عندهم التزام أخلاقي قبل أن يكون عُرفاً اجتماعياً، وحماية المستجير شرف يتوارثونه كما يتوارثون أسماءهم وأنسابهم. لم تُعرف عنهم خيانة الجار أو الغدر بالمستجير، بل كانت النجدة والمروءة عنوانهم في الشدائد.

أما المرأة، فلها في المجتمع البدوي مكانة رفيعة تقوم على الاحترام والتقدير. فهي الأم المربية، وعماد البيت، وموضع الغيرة المصونة. الأعراف القبلية شدّدت على حماية العرض وصونه، وعدّت أي اعتداء عليه من أعظم الجرائم وأشدّها عاراً. ومن يقرأ التراث البدوي يدرك أن صون الكرامة — رجالاً ونساءً — قيمة عليا لا مساومة فيها.

البدو أبناء الأرض، عرفوا مسالكها ونجومها، وعاشوا على إيقاع طبيعتها، فصاروا جزءاً من جغرافيتها وذاكرتها. جذورهم ضاربة في تربتها، ثابتة رسوخَ الجبال، لا تقتلعها التحولات ولا تغيّرها تبدلات العصر.

ورغم تبدّل أنماط الحياة الحديثة، بقيت العشائر والقبائل ركيزة أساسية في النسيج الاجتماعي، تمدّ المجتمع بروح التكافل والتضامن، وتحفظ منظومة من القيم الأصيلة التي تقوم على الشجاعة والكرم والوفاء.

إن الفخر بالبدو ليس تعصباً، بل اعتزاز بتاريخٍ من المروءة والبطولة والصدق. هم صفحة مشرقة في سجل هذه الأمة، وجذورٌ راسخة في الأرض، لا تنكسر أمام الريح، ولا تنسى عهدها مع الجار والأرض والكرامة.

 

 

المراجع

..........................

▪ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد. (2004). المقدمة. بيروت: دار الفكر.

 

 

▪فيليب حتي. (1995). تاريخ العرب العام. بيروت: دار الثقافة.

 

▪عمر رضا كحالة. (1997). معجم قبائل العرب القديمة والحديثة. بيروت: مؤسسة الرسالة.

 

▪عارف العارف. (1987). القضاء العشائري عند العرب. القدس: دار الجليل.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

البدو والعشائر: جذورٌ ضاربة في الأرض وتاريخٌ من المجد والوفاء

حين يُذكر البدو، تُستحضر صورة الإنسان الأصيل الذي ارتبط بالأرض كما يرتبط الجذر بتربته، فلا تزعزعه العواصف ولا تغيّر وجهته تقلّبات … تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون