يوسف مجذوب «أبو جمال» وليلى شهيد: الذاكرة المسروقة

منذ 15 ساعة   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

لم تكن مجزرة صبرا وشاتيلا 1982 حدثاً عابراً في حياة من عاشها؛ كانت جرحاً مفتوحاً يسكن الذاكرة كما تسكن الرصاصة الجسد. بعض الجروح تندمل، لكن جرح صبرا وشاتيلا بقي حيّاً في تفاصيل حياة الناجين، في أصواتهم، وفي ارتجاف أيديهم كلما استعادوا المشهد.

كان جاري يوسف مجذوب، المعروف بـ«أبو جمال»، واحداً من الناجين الذين خرجوا من تحت الركام أحياءً، لكنه لم يخرج منه سالماً نفسياً. عاش اللحظات المرعبة لمذبحة صبرا وشاتيلا عام 1982 بكل تفاصيلها، وكان يرويها كما لو أنها حدثت للتو. لم يكن بحاجة إلى مناسبة ليتحدث عنها؛ كانت المناسبة تسكنه هو.

كان يقول إنه رأى بأمّ عينه أرييل شارون، وإلى جانبه إيلي حبيقة، واستعاد المشهد بكل قسوة. غير أن أكثر ما وجّعه لم يكن الدم، بل الخذلان الذي أصابه على يد من وثق بهم.

كان يوسف عبد نايف مجذوب "أبو جمال" يحدثني عن صحفية فلسطينية رافقت وفداً أجنبياً، اقتربت منه، استمعت لشهادته وأظهرت تعاطفاً ظاهراً. ثم طلبت منه بطاقة جندي وميدالية تعود لأحد جنود الاحتلال المشاركين في المجزرة، على أن تعيدها له.

ثم اختفت.

لم تُعد البطاقة.

لم تُعد الميدالية.

ولم تعد هي.

وقال لي يوسف مجذوب " أبو جمال"، وقال لكثيرين:

«إذا دخلت الصحفية مخيم شاتيلا مرة ثانية، فلن تخرج منه إلا إذا أعادت لي بطاقة هوية الجندي والميدالية».

هنا يبرز سؤال يشغل ذهن أي متابع: أين ذهبت بطاقة الهوية والميدالية؟ ولمَن سلمتها الصحفية؟ وهل كانت تسعى فقط إلى التوثيق، أم أن هناك من حاول أن يستخدمها لإخفاء أي دليل جُرمي متعلق بمذبحة صبرا وشاتيلا 1982؟

في كل ذكرى للمجزرة، كان يوسف مجذوب "أبو جمال" يشارك في مسيرة إحياء الضحايا، يبحث بعينيه عن وجهها، عن فرصة لاستعادة ما سُلب منه. لم يكن حضوراً سياسياً، بل موقفاً أخلاقياً وشخصياً لا يهدأ.

في إحدى أمسيات عام 2000، كنت جالساً معه أمام شاشة قناة الجزيرة. فجأة قفز من مكانه كطفل، وصرخ بأعلى صوته: «هذه هي… هذه هي!». طلب مني قراءة الاسم على الشاشة: كانت ليلى شهيد، تعمل آنذاك دبلوماسية في سفارة السلطة "الفلسطينية" في فرنسا.

لاحقاً، حين أصدرت كتابي «صبرا وشاتيلا: ذاكرة الدم» عن مكتبة بيسان في بيروت عام 2003، خصصت فصلاً لهذه الواقعة كما رواها يوسف مجذوب "أبو جمال"، كجزء من ذاكرة الناجين من مذبحة 1982. وبعد صدور الكتاب، أرسلت نسخة من الكتاب إليها عبر صديق مشترك. تسلّمت النسخة، ولم يصل أي ردود.

لا توضيح.

لا نفي.

لا اعتذار.

قبل ساعات، غادرت ليلى شهيد هذه الحياة، والتحقت بالمكان ذاته الذي سبقتها إليه ذاكرة يوسف مجذوب "أبو جمال". هناك، حيث لا مناصب ولا ألقاب، وربما تُعاد الأسئلة إلى أصحابها، وربما تجتمع الخصوم وجهاً لوجه.

كانت الحكاية ليست محاكمة لأحد، بل شهادة على هشاشة الثقة حين تُكسَر، وعلى الألم الذي يتضاعف: مرةً بالدم، ومرةً بالخيانة.

كان يوسف مجذوب "أبو جمال" يقول دائماً:

«الوجع الكبير لا يقتلنا… الذي يقتلنا أن نُخذل ونحن نظن أننا في أيدٍ أمينة».

بين مذبحة صبرا وشاتيلا عام 1982 والبطاقة التي لم تعد، تبقى الحكاية معلقة في الذاكرة، والسؤال مفتوح: أيهما أقسى على الناجين… الرصاص أم الخذلان؟


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

ياسر علي

الأونروا… قرارات تمسّ صمود اللاجئين وحقوق الموظفين

في المقال السابق تناولنا الضغوط الخارجية والدولية التي تتعرّض لها الأونروا لإنهاء عملها، واليوم سنتناول الإجراءات التي تقوم بها ال… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون