تموت الأشجار واقفة
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.محمود كلّم
وإنه لشرفٌ عظيم أن يستشهد الإنسان ثابتاً على الحق، رافضاً المذلة والخضوع… فبعض الرجال لا يعرفون الانحناء، لأنهم خُلقوا ليبقوا واقفين حتى اللحظة الأخيرة، مثل الأشجار التي تموت واقفة.
في زمنٍ تتكاثر فيه الانكسارات، يظلّ الثبات موقفاً نادراً، وشجاعة لا يمتلكها إلا من آمن بأن الكرامة ليست خياراً، بل قدرٌ يُعاش ويُدافع عنه حتى النفس الأخير. هناك من يختار السلامة، وهناك من يسلك الطريق الأصعب؛ طريق الحق الذي غالباً ما يكون مفروشاً بالألم والتضحيات.
الاستشهاد ليس نهاية الحكاية، بل بدايتها في ذاكرة الشعوب. هو اللحظة التي يتحول فيها الإنسان من جسدٍ فانٍ إلى معنى خالد، ومن اسمٍ عابر إلى رمزٍ يُروى للأجيال. فالذين يسقطون دفاعاً عن مبادئهم لا يغيبون، بل يمتد حضورهم في الضمائر، وفي كل موقف يرفض الظلم، وفي كل صوتٍ يعلو رفضاً للإهانة.
تموت الأشجار واقفة… لأنها لا تعرف كيف تنحني للعاصفة، حتى وإن اقتلعتها الرياح. وكذلك الرجال الذين آمنوا بأن الكرامة أثمن من الحياة نفسها، يرحلون وهم مرفوعو الرأس، تاركين خلفهم درساً قاسياً لكنه نبيل: أن الخضوع موتٌ بطيء، أما الثبات فحياة، وإن انتهت بالشهادة.
وفي الحزن الذي يخلّفه الغياب، يولد نوعٌ آخر من القوة؛ حزنٌ صامت، ثقيل، لكنه مفعم بالفخر. فالأوطان تُبنى بدموع الأمهات كما تُبنى بدماء الشهداء، وتبقى القصص التي كُتبت بالتضحية أقوى من النسيان.
هكذا يرحل الثابتون… لا مهزومين، بل منتصرين لقيمهم، تاركين خلفهم ظلالاً من العزة، وجذوراً تضرب عميقاً في أرض الكرامة. فالأشجار التي تموت واقفة لا تسقط حقاً… بل تتحول إلى تاريخٍ لا يموت.



أضف تعليق
قواعد المشاركة