غزة وجنوب لبنان… حين تتحوّل الأرض إلى مقبرة مفتوحة والسماء إلى ساحة حرب

منذ 7 ساعات   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

بين أنقاض غزة وجراح جنوب لبنان… حكاية ألم لا تنتهي.

في الشرق الأوسط، حيث تختلط رائحة البحر برائحة البارود، تقف غزة وجنوب لبنان كصفحتين مفتوحتين من كتاب طويل عنوانه الألم. في جنوب لبنان لا تُقاس الأيام بالساعات، بل بعدد الشهداء، ولا يُقاس الليل بطوله، بل بمدى صمته بعد القصف.

في غزة المدينة المحاصرة منذ سنوات، لا يحتاج الناس إلى ساعة لمعرفة الوقت. صوت الطائرات يكفي. حين يعلو هديرها، يعرف الجميع أن لحظة جديدة من الخوف قد بدأت. الأمهات يضممن أطفالهن، والأطفال يتعلمون مبكراً أن صوت الانفجار ليس مجرد صوت، بل نهاية بيتٍ أو بداية مأساة لعائلة.

الشوارع التي كانت يوماً مليئة بالحياة تحولت إلى طرق بين الركام. المنازل التي بُنيت حجراً فوق حجر، وذكريات فوق ذكريات، صارت أكواماً من الإسمنت والغبار. تحت تلك الأنقاض قصص لم تكتمل: طفل كان يحلم أن يصبح طبيباً، طالبة كانت تستعد لامتحانها الأخير، وأب كان ينتظر عودة ابنه من المدرسة.

وفي المستشفيات، حيث يجب أن يكون الأمل أكبر من الألم، يعمل الأطباء بما تبقى من قوة. أضواء خافتة، أجهزة قليلة، ووجوه مرهقة تحاول أن تُبقي الحياة ممكنة. الممرات مليئة بالجرحى، والصمت الثقيل يقطعه أحياناً بكاء أم فقدت ابنها، أو دعاء أب يرجو نجاة طفلته.

أما في جنوب لبنان، فالقصة ليست بعيدة كثيراً. القرى القريبة من الحدود تعيش بين القلق والترقب. كل صوت بعيد قد يكون بداية تصعيد جديد. الأهالي الذين اعتادوا زراعة أرضهم والعيش من خيراتها أصبحوا يعيشون بين حقائب جاهزة وقلوب مثقلة بالانتظار. المنازل التي تطل على التلال الخضراء أصبحت تنظر أيضاً إلى الخطر القريب. المدارس تُغلق أحياناً، والطرقات تخلو من المارة عندما تتصاعد التوترات. ومع ذلك، يحاول الناس التمسك بما تبقى من حياة طبيعية: فنجان قهوة على الشرفة، حديث سريع بين الجيران، أو دعاء صامت بأن تمر الليلة بسلام.

بين غزة وجنوب لبنان، يتكرر المشهد ذاته: مدنيون يدفعون الثمن الأكبر. أطفال يكبرون أسرع مما ينبغي، وأمهات يتعلمن لغة الصبر القاسي، ومدن تحاول أن تتنفس رغم الغبار. التاريخ هنا ليس مجرد صفحات في الكتب؛ إنه وجوه حقيقية، وبيوت مهدمة، وأحلام مؤجلة. وربما لهذا السبب تُروى هذه القصص، لتتذكر الأجيال أن وراء الأرقام بشراً، وأن وراء الأخبار اليومية قلوباً ما زالت تنبض رغم كل شيء.

في غزة وجنوب لبنان، صارت الأرض مفتوحة على مصراعيها لتبتلع أحلام البشر، والسماء ساحة لا تعرف الرحمة. الأطفال يملأون الهواء بصرخات لم يسمعها أحد، والأمهات يزرعن في قلوبهن موتاً لا يشفى. كل بيت مدمر، كل شارع صامت، كل أنين مكتوم هو شهادة على حياة سرقها الموت قبل أن تُعاش. هنا لا يوجد غدٌ ينتظر أحداً، ولا وعدٌ بالأمان، ولا فجر يشرق بلا خوف. الصمت أصبح لغة الحياة، والدمع رفيق الطريق، والأمل مجرد وهم يتبدد مع أول انفجار. في هذه المدن التي صارت رماداً، يبقى الإنسان وحيداً… يواجه الموت كل يوم، ويحاول أن يبتلع قسوته ويبتسم، بينما العالم يمرّ وكأن شيئاً لم يحدث، تاركاً الحكاية الوحيدة: أن الحرب تسرق كل شيء، حتى القدرة على الحلم.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

غزة وجنوب لبنان… حين تتحوّل الأرض إلى مقبرة مفتوحة والسماء إلى ساحة حرب

بين أنقاض غزة وجراح جنوب لبنان… حكاية ألم لا تنتهي. في الشرق الأوسط، حيث تختلط رائحة البحر برائحة البارود، تقف غزة وجنوب لبنان … تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون