حين احترق العراق وإيران… تغيّر الشرق الأوسط وخسرت فلسطين
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.لم تكن الحرب العراقية الإيرانية مجرد نزاع حدودي بين دولتين متجاورتين، بل كانت لحظة مفصلية أعادت تشكيل الشرق الأوسط لعقودٍ لاحقة. ثماني سنوات من القتال المتواصل لم تُنتج منتصراً حقيقياً، لكنها أطلقت سلسلة طويلة من الانهيارات السياسية والاقتصادية والأمنية ما تزال المنطقة تعيش آثارها حتى اليوم.
في صباحٍ ثقيل من سبتمبر عام 1980، عبرت القوات العراقية الحدود نحو إيران بأوامر من الرئيس العراقي صدام حسين، في تقديرٍ سياسي رأى أن الفوضى التي أعقبت الثورة الإيرانية تمثل فرصة لإعادة رسم ميزان القوة في الخليج. بدا القرار آنذاك قائماً على حسابات حرب قصيرة وحاسمة، تُنهي التوتر الحدودي وتمنح بغداد موقع القيادة الإقليمية.
لكن الحرب التي كان يُفترض أن تُحسم خلال أسابيع تحولت إلى واحدة من أطول وأقسى الحروب التقليدية في القرن العشرين.
الخوف كان عاملاً مركزياً في اندلاع الصراع. فالثورة الإسلامية في إيران أثارت قلق القيادة العراقية من احتمال انتقال المدّ الثوري إلى الداخل العراقي، في ظل تركيبة اجتماعية ودينية حساسة. ومع تراكم الخلافات التاريخية حول شط العرب والحدود المشتركة، لم تكن المنطقة بحاجة سوى إلى شرارة واحدة كي تنفجر المواجهة.
وسرعان ما تجاوزت الحرب حدودها الثنائية لتصبح ساحة صراع إقليمي ودولي مفتوح. حصل العراق على دعم سياسي واستخباراتي وعسكري من قوى دولية رأت في إضعاف إيران الثورية مصلحة استراتيجية خلال سنوات الحرب الباردة، فيما قدمت دول خليجية دعماً مالياً واسعاً لبغداد خشية تمدد الثورة الإيرانية إلى داخلها.
غير أن تدفق الدعم لم يُنهِ الحرب، بل أطال عمرها. تحولت الجبهات إلى خطوط استنزاف ثابتة، وأُرسل مئات الآلاف من الشباب إلى الخنادق وحقول الألغام في حربٍ أعادت مشاهد النزيف الجماعي التي عرفتها أوروبا في حروب القرن الماضي.
احترقت المدن الحدودية، تعطلت الموانئ، واستُنزفت القدرات العسكرية والاقتصادية للبلدين بالكامل. العراق خرج من الحرب مثقلاً بديون هائلة رغم امتلاكه أحد أقوى جيوش المنطقة آنذاك، بينما دفعت إيران ثمناً بشرياً واقتصادياً بالغ القسوة. لم تُدمَّر الأسلحة فقط، بل دُمّرت حياة جيلٍ كامل نشأ على صفارات الإنذار بدلاً من أصوات المدارس.
وكان من بين أكثر الأجيال التي دفعت ثمن تلك الحرب مواليد عام 1957 في العراق، إذ استُنزف كثير منهم في جبهات القتال حتى كادوا يُمحون من الذاكرة الاجتماعية، بل شُطب عددٌ كبير منهم بشكلٍ شبه كامل من السجل المدني بفعل سنوات الحرب الطويلة وخسائرها البشرية الفادحة.
ولم تكن الخسارة عراقية أو إيرانية فحسب. ففي خضم هذا الاستنزاف، تراجعت قضايا المنطقة الكبرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، إلى هامش الاهتمام السياسي العربي والإسلامي. الموارد المالية والدبلوماسية التي كان يمكن أن تُوظف لدعم فلسطين استُهلكت في سباق السلاح، بينما تفرقت الأولويات بين جبهات الصراع بدلاً من توحيدها.
انتهت الحرب رسمياً عام 1988 دون تغيير حاسم في الحدود أو تحقيق نصر واضح لأي طرف. لكن تداعياتها الحقيقية بدأت بعد ذلك. فالعراق المنهك اقتصادياً دخل لاحقاً مرحلة حصار طويل أعقبته حرب مدمّرة انتهت بتفكيك مؤسسات الدولة تحت ذريعة امتلاك أسلحة دمار شامل لم يُعثر عليها لاحقاً. وهكذا تحوّل بلد استنزفته حرب طويلة إلى ساحة صراع جديدة دفع ثمنها المجتمع بأكمله.
وفي المقابل لم تخرج إيران من دائرة الصراع. فمنذ نهاية الحرب وحتى اليوم، تواجه الجمهورية الإسلامية الإيرانية ضغوطاً وعقوبات وتوترات مستمرة مرتبطة ببرنامجها النووي ونفوذها الإقليمي وقدراتها العسكرية. وبين الحسابات الدولية والمخاوف الأمنية، بقي المواطن الإيراني يعيش تحت وطأة صراعٍ سياسي واقتصادي مفتوح.
بعد أكثر من أربعة عقود، يفرض السؤال نفسه بإلحاح: من الذي انتصر فعلاً؟
وفي سنوات لاحقة، ظهر الرئيس صدام حسين في تسجيلٍ مصوَّر تحدّث فيه بنبرةٍ أقرب إلى المراجعة، معترفاً بندمه على اندلاع الحرب العراقية الإيرانية. وقال: إن بعض الدول العربية ودول الخليج دفعت باتجاه إطالة أمد الحرب مع إيران، بهدف إنهاك العراق وإشغال جزءٍ كبير من قدرات ايران الخيرة.
العراق دُمّر بعد أن استُنزف، وإيران ما تزال تواجه ضغوطاً متصاعدة، والمنطقة بأكملها أصبحت أكثر هشاشة أمام التدخلات الخارجية. لقد أثبتت التجربة أن الحروب لا تنتهي عند صمت المدافع، بل تستمر في الاقتصادات المنهكة، وفي الأجيال التي كبرت وسط الخوف، وفي القضايا العادلة التي تراجعت لأن صوت السلاح كان أعلى من صوت السياسة.
لو لم تندلع تلك الحرب، ربما كان الشرق الأوسط مختلفاً اليوم. عراقٌ قوي بثرواته وجيشه، وإيران مستقرة بإمكاناتها البشرية والاقتصادية، كانا قادرين على تشكيل توازن ردعٍ إقليمي يجعل التفكير في إسقاط دولة أو فرض حصار على أخرى مغامرةً شديدة الكلفة.
لكن ما حدث كان العكس تماماً؛ فقد انهار ميزان القوة من الداخل قبل أن يُكسر من الخارج. وعندما ضعفت بغداد جاء الحصار ثم الغزو، وعندما أُرهقت طهران بدأت عقود من الضغوط والعقوبات. لم يكن المنتصر أيّاً من الطرفين، بل الفراغ الذي نشأ بعد استنزافهما.
في السياسة، لا تُهزم الدول دائماً في لحظة الحرب، بل حين تفقد قدرتها على حماية قرارها الوطني. وحرب السنوات الثماني لم تُنهك دولتين فقط، بل فتحت الباب لعصرٍ كامل من الفوضى وإعادة رسم النفوذ في المنطقة.
الحقيقة التي تكشفها التجربة اليوم قاسية لكنها واضحة:
حين تتقاتل القوى الكبرى في المنطقة، لا يسقط طرف واحد… بل تسقط المنطقة كلها.
وحين تُستنزف الأمم في صراعاتها الداخلية، يصبح مستقبلها قراراً يُصاغ خارج حدودها.
ثماني سنوات من الحرب لم تصنع نصراً، لكنها صنعت زمناً طويلاً من الضعف… وما زال الشرق الأوسط يدفع ثمنه حتى الآن.
لم تكن فلسطين طرفاً في تلك الحرب، لكنها دفعت ثمنها بصمت. فحين انشغل الشرق الأوسط بنزيفه الداخلي، تراجع حضور القضية الفلسطينية في أولويات السياسة الإقليمية، ووجدت سلطات الاحتلال مساحة أوسع لترسيخ وقائع جديدة على الأرض. وهكذا، بينما كانت الجبهات تشتعل بين بغداد وطهران، كانت فلسطين تخسر جزءاً آخر من زمنها السياسي. وفي عالم السياسة، قد لا تُهزم القضايا بالرصاص فقط، بل حين تُترك وحيدة في ضجيج الحروب الأخرى.
.................................
مراجع باللغة العربية:
▪︎محمد حسنين هيكل، حرب الخليج: أوهام القوة والنصر، دار الشروق.
▪︎محمد حسنين هيكل، إيران فوق بركان، دار الشروق.
▪︎فؤاد مطر، الحرب العراقية الإيرانية: سنوات النار، دار النهار.
▪︎فالح عبد الجبار، الدولة والمجتمع في العراق، مركز دراسات الوحدة العربية.
▪︎تقارير الأمم المتحدة عن الحرب العراقية الإيرانية.
مراجع باللغة الأجنبية:
▪︎Pierre Razoux, The Iran-Iraq War, Harvard University Press, 2015.
▪︎Efraim Karsh, The Iran–Iraq War 1980–1988.
▪︎Dilip Hiro, The Longest War: The Iran-Iraq Military Conflict.
▪︎Charles Tripp, A History of Iraq, Cambridge University Press.
▪︎United Nations Reports on Chemical Weapons in the Iran-Iraq War.



أضف تعليق
قواعد المشاركة