من سواد دجلة إِلى رماد غزة… حكايةُ علمٍ يُغتالُ
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.في لحظات السقوط الكبرى، لا يكون الدمار موجّهاً فقط نحو الحجر، بل نحو الذاكرة، نحو الفكرة، نحو الإنسان في أعمق معانيه. هكذا كان المشهد حين اجتاح هولاكو خان بغداد في واحدة من أكثر المحطات إيلاماً في التاريخ، خلال سقوط بغداد 1258. لم تكن المدينة مجرد عاصمة، بل كانت قلباً نابضاً بالعلم، تحتضن بيت الحكمة، ذلك الصرح الذي جمع علوم الأمم وترجمات العقول.
يُروى أن نهر دجلة اصطبغ بالسواد من كثرة ما أُلقي فيه من كتب، وكأن الحبر نفسه كان ينزف. لم يكن ذلك مجرد تدمير مكتبات، بل اغتيالاً ممنهجاً للمعرفة، ومحاولة لطمس هوية أمة كانت تُعرَف بعلمها قبل أي شيء آخر.
اليوم وبعد قرون، يتكرر المشهد بوجوه مختلفة، لكن بذات الروح. في غزة، وخلال معركة الطوفان، لم يكن الاستهداف مقتصراً على البنية التحتية أو الأحياء السكنية، بل امتدّ ليطال الجامعات، القاعات الدراسية، والمراكز البحثية. هناك، حيث كان يُفترض أن يُبنى المستقبل، تحوّلت المعرفة إلى هدف مباشر لسياسات الاحتلال.
الجامعات في غزة لم تكن مجرد مبانٍ، بل فضاءات للأمل، منصات لصناعة الوعي، ومساحات لتشكيل جيلٍ يحاول أن يتمسك بالحياة رغم كل شيء. استهدافها من قبل الاحتلال، بهذا المعنى، لا يمكن فصله عن محاولة إضعاف المجتمع من جذوره، عبر ضرب طبقته الأكاديمية، وإفراغه من أدوات التفكير والنهوض.
إن استهداف العلماء والطلبة والمراكز التعليمية ليس حدثاً عابراً في سياق الحروب، بل هو فعلٌ محسوب، يهدف إلى كسر العمود الفقري لأي مجتمع. فالأمم لا تُهزم فقط حين تُدمَّر مدنها، بل حين تُغتال عقولها.
ما بين بغداد وغزة، مسافة زمنية طويلة، لكن الرابط واحد: حين يُستهدف العلم، فإن الرسالة واضحة إطفاء نورٍ يخشاه من يريد فرض الظلام. وفي الحالتين، لم يكن الحبر مجرد سائل، بل كان ذاكرة، هوية، ومستقبلاً يُراد له أن يُمحى.
ورغم كل ذلك، يبقى السؤال مفتوحاً:
هل يمكن لمدينةٍ أن تُهزم حقاً، ما دام فيها من يؤمن بأن الكتاب، حتى لو أُحرق، يمكن أن يُكتب من جديد؟



أضف تعليق
قواعد المشاركة