بين زنازين القهر والموت وصمت العالم… حكاية شعبٍ لا يُهزم
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.إقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين: يوم أسود في تاريخ المسلمين!
ليس مجرد قانون، بل صاعقة تُذكّرنا بعالمٍ يسحق العدلَ بحقارةٍ كل يوم.
في زنازين ضيّقة تُغلق أبوابها على الصمت، يعيش آلاف الأسرى الفلسطينيين واقعاً يتجاوز حدود الاحتمال، وكأنّ العدالة نفسها قد أُقصيت عن المشهد، تاركةً مكانها لسلطة القوّة وحدها. هناك، خلف الجدران العالية داخل سجون كيان الاحتلال، لا تُقاس الأيام بالساعات، بل بالوجع، ولا يُقاس الزمن إلا بمدى القدرة على الصمود.
الأسرى الفلسطينيون ليسوا مجرّد أرقامٍ في سجلاتٍ أمنية؛ إنهم حكاياتٌ إنسانية مكتملة، لكلٍّ منهم اسمٌ ووجهٌ وعائلة تنتظر. لكن هذا البعد الإنساني يتلاشى في ظلّ سياساتٍ قاسية تبدأ من الاعتقال، ولا تنتهي عند حدود الزنازين، إذ يواجه الأسرى داخل سجون كيان الاحتلال خطر الإعدام بعد إقرار قانون يسمح بتنفيذ أحكام الإعدام بحقهم شنقاً.
داخل الزنازين، تتكشّف تفاصيل قاسية: اكتظاظ، نقص في الرعاية الطبية، وقيود على الزيارات، لتتحوّل الحياة اليومية إلى اختبارٍ مستمرّ للصبر. ومع كل ذلك، يواجه الأسرى واقعهم بإرادة صلبة، يتمسّكون بما تبقّى من كرامتهم، وكأنهم يعلنون، بصمتهم، أنّ الإنسان لا يُهزم بسهولة.
ولا ينفصل هذا الواقع عن المشهد الأوسع، حيث يُستهدف كلّ ما هو فلسطيني. فكما يُقفل الباب على الأسرى، يُغلق المسجد الأقصى أحياناً أمام المصلّين، وتُمنع الجماهير من أداء شعائرها فيه، في انتهاك صارخ لحق العبادة. إن استهداف المسجد الأقصى يرمز إلى استهداف الهوية والكرامة، ويُظهر أنّ الحصار والقهر لا يقتصران على الجسد، بل يشملان الروح أيضاً.
في المقابل، يقف العالم أمام هذه الصورة، متردّداً بين الإدانات الخجولة والصمت الطويل. مؤسسات دولية تتحدّث عن حقوق الإنسان، لكنها تبدو عاجزة عن إحداث تغيير حقيقي على الأرض. أمّا المشهد العربي والإسلامي، فيغلب عليه الانقسام والانشغال بقضايا داخلية، ما يجعل قضية الأسرى، ومعها المقدسات، تتراجع في سلّم الأولويات، رغم رمزيتها العميقة.
ليس هذا فحسب، بل إن الخوف يتعاظم مع كل حديث عن تشديد الإجراءات والعقوبات، في ظل مناخ سياسي متوتّر، حيث يُستخدم القانون أحياناً كأداة ضغط إضافية، لا كضمانة للعدالة. وبين هذا وذاك، يبقى الأسير الفلسطيني في مواجهة مصير لا يملكه، محاطاً بجدران لا تسمع، وعالم لا يرى.
ومع ذلك، لا تنطفئ الحكاية. فخلف الزنازين، ثمّة إيمان لا يتزعزع، بأنّ الظلم مهما طال، لا بد أن ينكسر. وثمّة يقين بأنّ للعدل وجهاً آخر، قد يتأخّر، لكنه لا يغيب. هذا الإيمان هو ما يُبقي الأسرى واقفين، رغم كل ما يحيط بهم.
هذا العالم، الذي يسحق العدل كل يوم، قد ينجح في تأجيل الحقيقة، لكنه لا يستطيع إلغاؤها. فالتاريخ، في نهاية المطاف، لا يُكتب فقط بما تفرضه القوة، بل بما يصمد في وجهها.
وفي انتظار ذلك اليوم، يبقى الأسرى الفلسطينيون شهوداً على زمن اختلّت فيه الموازين… ومعهم المسجد الأقصى، رمزاً للكرامة والثبات، عنوان ثابت لحقيقة لا تموت.
المجدُ والخلودُ للشهداء…
الحريةُ للأسرى…
والخزيُ والعارُ لكلِّ من خذلنا…




أضف تعليق
قواعد المشاركة