سعد صايل (أبو الوليد)… القائد الذي اغتاله الغدر ولم تُسقطه الحروب

منذ 5 ساعات   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

في صباحٍ يشبه الوداع، وفي أول أيام عيدٍ كان يُفترض أن يحمل الفرح، سقط رجلٌ لم يكن عادياً في حسابات الثورة، بل كان أحد أعمدتها الصلبة. سقط سعد صايل (أبو الوليد)، تاركاً خلفه فراغاً لم تملأه السنوات، وصمتاً أثقل من صوت الرصاص الذي أنهى حياته.

وُلد في قرية كفر قليل جنوب مدينة نابلس عام 1932، كأي طفل فلسطيني بسيط، لكنه لم يعش حياة البساطة طويلاً. منذ بداياته، بدا وكأن قدره يسير به نحو طريقٍ مختلف؛ طريقٍ محفوف بالانضباط العسكري، والإيمان العميق بأن الوطن لا يُستعاد إلا بالقوة والمعرفة معاً. التحق بالكلية العسكرية الأردنية عام 1951، وهناك بدأت ملامح القائد تتشكل، لا بالبندقية فقط، بل بالعقل الذي يفكر ويخطط، ويؤمن أن المعركة ليست لحظة اشتباك، بل مسار طويل من البناء.

تنقّل بين دولٍ عدة يتعلم ويتدرّب ويصقل نفسه. من بريطانيا إلى مصر، ومن العراق إلى الولايات المتحدة، كان يحمل فلسطين معه في كل دورة، في كل تدريب، وفي كل خطوة. لم يكن يسعى إلى رتبةٍ أو منصب، بل إلى جاهزيةٍ تليق بحلمٍ كبير اسمه العودة.

في الجيش الأردني، تدرّج حتى وصل إلى رتبة عقيد ركن، لكن قلبه بقي معلقاً حيث بدأ الجرح الأول. ومع انطلاق الثورة الفلسطينية، لم يتردد. انضم لا كضابطٍ يبحث عن دور، بل كقائدٍ يعرف أن المعركة أكبر من أي جيش وأوسع من أي حدود. لعب دوراً بارزاً في التنسيق خلال معركة الكرامة، تلك اللحظة التي أعادت شيئاً من الكرامة، وأثبتت أن الفلسطيني قادر على الصمود.

في منظمة التحرير الفلسطينية، لم يكن مجرد اسمٍ في قائمة، بل كان من صُنّاع القرار الميداني. مديراً لهيئة العمليات المركزية، ورجلاً يُحسب له حساب في أدق التفاصيل.  كان عقلاً عسكرياً نادراً، وقلباً مؤمناً بأن الهزيمة ليست قدراً.

في بيروت، وخلال حصار عام 1982، لمع اسمه. في بيروت حيث كانت المدينة تُقصف والسماء تمطر ناراً، وقف سعد صايل (أبو الوليد) كمارشالٍ غير متوّج. قاد وخطّط وصمد، وشارك مع رفاقه في رسم مشهد مقاومةٍ لن يُنسى. لم تكن بيروت مجرد محطة، بل كانت امتحاناً أخيراً لرجلٍ عاش عمره كله في قلب المعركة.

لكن النهاية جاءت كما تأتي غالباً مع الكبار… غدراً.
في يوم عيد الأضحى، 27 أيلول 1982، اخترقت الرصاصات موكبه في سهل البقاع شرق لبنان. أُصيب ونزف، وكأن الجسد الذي احتمل سنوات الحرب لم يعد قادراً على احتمال خيانة اللحظة. نُقل إلى مستشفى المواساة في دمشق، حيث توقّف قلبه عند الساعة الحادية عشرة مساءً متأثراً بنزيفٍ حاد، لكن الحكاية لم تتوقف.

رحل سعد صايل (أبو الوليد)، ودُفن في مقبرة الشهداء في مخيم اليرموك، بين شعبه، حيث تبدأ الحكايات ولا تنتهي. رحل، لكنه ترك وراءه سؤالاً موجعاً: ماذا يحدث حين يخسر الوطن قادته الذين يعرفون كيف تُدار المعارك؟

لم يكن سعد صايل (أبو الوليد) مجرد قائد عسكري، بل كان مدرسة. رجلٌ آمن أن الثورة تحتاج إلى عقلٍ بقدر ما تحتاج إلى بندقية، وإلى انضباطٍ بقدر ما تحتاج إلى شجاعة. ومع رحيله، لم تخسر فلسطين رجلاً فقط، بل خسرت جزءاً من توازنها، من خبرتها، ومن صوتٍ كان يعرف متى يُطلق النار… ومتى يصمت.

في الحزن عليه، لا نبكي الماضي فقط، بل نبكي القائد الذي لم يُهزم في الميدان، لكنه سقط برصاص الغدر.

وهكذا يمضي الرجال الكبار… وتبقى أوطانهم تفتّش في الذاكرة عن وجوهٍ تشبههم.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

سعد صايل (أبو الوليد)… القائد الذي اغتاله الغدر ولم تُسقطه الحروب

في صباحٍ يشبه الوداع، وفي أول أيام عيدٍ كان يُفترض أن يحمل الفرح، سقط رجلٌ لم يكن عادياً في حسابات الثورة، بل كان أحد أعمدتها الصل… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون