مصطفى مراد الدباغ… من يوثّق الذاكرة حين يرحل حرّاسها؟
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.في كل مرةٍ ترحل فيها قامةٌ من قامات فلسطين، لا يكون الغيابُ مجرّدَ فقدانِ إنسان، بل انطفاءُ جزءٍ من الذاكرة، وانكسارُ صفحةٍ من كتابٍ كُتب بالحبر والدم معاً.
رحل مصطفى مراد الدباغ، الأديبُ والمؤرخُ والمربّي الفلسطيني البارز، الذي وُلد عام 1897 في يافا، فلسطين، لكن الحقيقة أن الذي رحل معه لم يكن رجلاً فقط، بل خريطةً كاملةً من الحكايات، وذاكرة وطنٍ ظلّ يقاوم النسيان بالكلمة والمعرفة. كان من أولئك الذين فهموا أن المعركة ليست فقط على الأرض، بل على الرواية أيضاً… على التفاصيل الصغيرة التي إن ضاعت ضاع الوطن في زحام التزوير.
كرّس الدباغ حياته للتعليم والمعرفة، فعمل مدرساً، ثم مديراً في الخليل، ومن ثم مدرساً للعلوم الاجتماعية في الكلية العربية في القدس، مؤمناً بأن بناء الإنسان هو الطريق الأعمق لحماية الوطن. ولم يكن التعليم عنده وظيفةً، بل رسالة مقاومةٍ تُزرع في العقول كما تُزرع الأشجار في الأرض.
ولم يكن الدباغ مؤرخاً عابراً، بل باحثاً ميدانياً دقيقاً حرص على توثيق أسماء وتاريخ القبائل العربية في فلسطين. وبعد الانتهاء من جولاته التفتيشية، كان يلتقي مشايخ القرى ومخاتيرها، ليسألهم عن عادات البلدة وتسميتها السابقة وأبرز معالمها، فاجتمعت لديه مادةٌ معرفيةٌ واسعةٌ عن فلسطين، شكّلت الأساس الذي بُني عليه عمله الموسوعي الأكبر.
خسرت فلسطين برحيله مؤرخاً ومربّياً آمن بأن التعليم مقاومة، وأن الوعي هو الحصن الأخير حين تتهاوى الجدران. وخسرت أديباً لم يكتب ليُخلّد نفسه، بل ليحمي ذاكرة شعبٍ من الضياع.
ومن أبرز مؤلفاته: «مدرسة القرية»، و«الموجز في تاريخ فلسطين منذ أقدم الأزمنة حتى اليوم».
وقد جاء عمله الأضخم، كتاب «بلادنا فلسطين»، في 11 مجلداً، يغطي فلسطين وقراها بتفاصيلها التاريخية والجغرافية والاجتماعية، ليشكّل واحداً من أهم المشاريع التوثيقية الموسوعية في التاريخ الفلسطيني الحديث.
وفي عام 1986، ألّف آخر كتبه «من هنا وهناك»، وكتب فيه: «فإن كان في العمر بقية..... فسأواصل البحث في أمجادنا الفلسطينية حتى يقضي الأجل وينقطع العمل»، وكأنه كان يودّع مشروع حياته بالكلمة الأخيرة.
كان «بلادنا فلسطين» أكثر من كتاب… كان محاولةً لقول: «نحن هنا… وهذه تفاصيلنا… وهذه حياتنا التي لن تُمحى». وكأن الدباغ كان يستبق الرحيل، فيدوّن كل شيء قبل أن يبتلعه النسيان.
توفي مصطفى مراد الدباغ في بيروت في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 1989، ودُفن فيها، بعيداً عن يافا التي وُلد فيها، ككثيرٍ من أبناء فلسطين الذين كُتب عليهم أن يحملوا أوطانهم في الذاكرة بدل أن يعيشوا فيها.
رغم هذا الحزن الثقيل، ثمّة حقيقة لا يمكن تجاهلها:
فلسطين، التي أنجبت الدباغ، لا تزال تُنجب.
هي ليست أرضاً فقط، بل نبعٌ لا ينضب من المبدعين، من الحالمين، من الذين يكتبون ويعلّمون ويؤرّخون… وكأنهم يقاومون الفناء بكل ما أوتوا من ذاكرة.
نعم، تخسر فلسطين عظماءها واحداً تلو الآخر…
لكنها، في كل مرة، تثبت أنها أكبر من الخسارة،
وأن الحكاية لا تنتهي برحيل راوٍ؛ لأن هناك دائماً من سيلتقط الخيط ويكمل السرد… ولو من بين الرماد.





أضف تعليق
قواعد المشاركة