الشيخ فرحان السعدي: شيخٌ أشعل الثورة ولم تُطفئه القيود
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.يحتاج الشعب الفلسطيني إلى إعادة قراءة سير أبطاله في مرحلةٍ مهمّةٍ من تاريخه، ليستمدّ منها الدروس التي تسهم في ترشيد رؤيته، وشحذ إرادته، وإطلاق خياله، وإعداد قادته لبناء المستقبل.
في مساءٍ ثقيلٍ من أيام فلسطين، وتحديداً في السابع والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1937، أقدمت سلطات الاحتلال البريطاني على إعدام الشيخ المجاهد فرحان السعدي، وكان قد بلغ الخامسة والسبعين من عمره، مثقلاً بسنوات الجهاد، غير أنّ عزيمته بقيت عصيّة على الانكسار.
لم يكن الشيخ فرحان السعدي رجلاً عادياً في سجلّ النضال الفلسطيني، بل كان واحداً من أولئك الذين أشعلوا جذوة الثورة الفلسطينية الكبرى (1936–1939). ففي نيسان/أبريل عام 1936، قاد مجموعته القسّامية، وهاجم قافلةً صهيونية على طريق نابلس–طولكرم، لتكون تلك اللحظة شرارة انتفاضة امتدّ لهيبها في مختلف أنحاء البلاد.
كان شيخاً، نعم، لكن روحه كانت أشدّ صلابةً من البنادق التي واجهته، وأقوى من القيود التي كُبّلت بها يداه لاحقاً. لم تمنعه الشيخوخة من أن يكون في الصفوف الأولى، ولم تثنه السنون عن حمل همّ الأرض والدفاع عنها. كان يقاتل وكأن الزمن لا يمرّ، وكأن فلسطين وحدها هي العمر كلّه.
جاء اعتقاله كطعنةٍ موجعة في قلب شعبٍ أنهكته الخسارات، لكنه لم يكن نهاية الحكاية، بل فصلاً آخر من فصول الألم والصمود. اقتيد الشيخ أسيراً، وهو الذي لم يركع في ساحات القتال، ليواجه مصيره بثباتٍ يليق بمن عاش حياته من أجل قضية.
في تلك اللحظة، لم يُعتقل رجلٌ فحسب، بل اعتُقلت ذاكرةٌ من البطولة، وصورةٌ من صور الكرامة التي حاول الاحتلال طمسها، لكنها بقيت حيّة في وجدان الناس.
هكذا يُكتب التاريخ أحياناً: شيخٌ في الخامسة والسبعين يُؤخذ مقيّداً، لكنه يترك خلفه شعباً أكثر وعياً، وجرحاً لا يندمل، وقصةً تُروى للأجيال عن رجلٍ لم يتعب قلبه، حتى وهو في خريف العمر.
انتهت سيرة الشيخ فرحان السعدي بإعدامه وهو صائماً، ثابتاً على ما عاش عليه من يقينٍ وصبر. لم يكن المشهد مجرد نهاية حياة، بل لحظة تختصر قسوة الزمن ومرارة الغياب. رحل الجسد، وبقيت الحكاية جرحاً مفتوحاً في ذاكرة شعبنا الفلسطيني.



أضف تعليق
قواعد المشاركة