حوار على حافة الركام: بين قلم غزة المستعر وفأر الوباء
سمية مصطفى علي
كاتبة من قطاع غزةأنتَ يا هذا، ماذا تفعل هنا؟ بأي جرأة تحتل مكاني؟
أم تظن أني سأخافك كما خاف النمل من سليمان عليه السلام؟
﴿يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون﴾؟
هذا الركام محميتي وقصري،
وأكوام القمامة مطعمي،
ومياه المجاري مشربي،
فما لك شيء هنا حتى تجلس في مدينة الأشباح وكأنها عرشك تتربع فيها؟
هنا أنقاض ورفات،
هنا جثث بشر ماتوا وتحللت أجسادهم بعد أن صعدت أرواحهم الطاهرة إلى بارئها.
هنا عالمي ومملكتي ومحيطي وكوكبي،
وأنت… أنت من كوكب البشر،
حيث المباني العريقة، والعمارات الشاهقة،
والبنى التحتية التي تتفاخرون بها.
كوكب البشر، حيث الحياة الخضراء،
والأشجار وارفة الظلال،
والمياه العذبة الرقراقة.
فلا مكان لك بيننا،
وحذارِ أن يجول في خاطرك أنني سأرحل وأترك لك محميتي،
تهذبها كيف تشاء لتصبح مثل كوكبكم البشري.
هنا محميتي، وعالمي، وكوكبي:
محمية القوارض والحشرات والزواحف،
كوكب الأوبئة والأمراض،
وأنت لا تقوى عليها،
خصوصًا أنك لم تكن مطعَمًا من جوع ولا آمنًا من خوف.
هيا، احمل أمتعتك وامضِ من هنا.
أمتعتك؟
أعتذر منك… لقد قسوت عليك.
ذكّرتك بأيامك الخوالي،
التي كنت تحوز فيها أمتعةً وأثاثًا في بيتك.
ولكن لا بأس،
فلا يزال لديك أمتعة، وإن اختلفت أشكالها ومسمياتها:
لك خيمة وشوادر تنقلها معك حيثما مضيت،
لك برميل ماء تحمله في حلك وترحالك،
معك فراشك الذي مزقته رحلات النزوح،
ولك ما تبقى من ملابسك وأغطيتك،
أو ربما ما اشتريت منها وجددت بعد كل رحلة نزوح.
يا سيدي، أنا أشعر بك وبآلامك،
حتى وإن لم أكن من بني البشر.
أنا لست كبني جلدتك،
بل أخاف عليك من الأمراض التي أبث سمها في محميتي،
وجسمك المنهك لا يقوى على مقاومتها.
لذلك… دعك من محميتي الركامية،
وابحث عن حياة تليق بك،
كإنسان من كوكب البشر.
***
يا فأرا استأسد في الصحراء
وصلتني رسالتك، وما قلتَ في المساء؟
كعدوي لا تظهر إلا في الخفاء،
وتهمس همسًا،
فلا تقوى على مواجهة الأقوياء.
هل رأيتني تركتُ أرضي للأعداء؟
هل حسبتني استسلمتُ كالضعفاء؟
هذه غزة، تحيا بعزٍّ وإباء،
سنسحقكم ونقضي على البلاء،
ونحصّن أنفسنا بالدعاء،
ونستعين بالوقاية على الوباء.
هذه أرضنا، عزُّ أجدادنا القدماء،
وأنتم، وكل عابري التاريخ عليها، نُزَلاء.
سنمزقكم ونحوّلكم إلى أشلاء،
وليكتب التاريخ أن أرضنا صُنَّاها بالدماء،
ما تنازلنا عنها،
لا للقوارض،
ولا لليهود الجبناء


أضف تعليق
قواعد المشاركة