حين يُستهدف الأمل: حكاية "أبو الأمير" في غزة
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.في غزة، حيث تضيق الجغرافيا حتى تختنق الحياة، لم تعد الحكايات تُروى كأخبار عابرة، بل كمراثٍ يومية لعالمٍ ينهار بصمتٍ ثقيل. ما يجري هناك يتجاوز المواجهة العسكرية إلى ما هو أشد قسوة: استهداف الحياة نفسها، وتحويل أبسط مقوماتها إلى أهداف.
في حيّ الشيخ رضوان، انتهت حكاية عماد مقداد، المعروف بـ"أبو الأمير"، على نحوٍ يلخّص هذا المشهد. لم يكن مقاتلاً، ولم يكن في موقع اشتباك. كان في خيمته البسيطة، بين هواتف أنهكها الانتظار، يحاول إعادة وصل الناس بعالمٍ انقطع عنهم. بألواحٍ شمسية متواضعة، صنع هامشاً ضئيلاً من الضوء في عتمةٍ مستمرة منذ انقطاع الكهرباء في أكتوبر 2023.
لكن حتى هذا الهامش لم يُترك. بضربة مباشرة من طائرة مسيّرة، سُوّيت الخيمة بالأرض، وصمت الصوت الذي كان يعيد الحياة إلى أجهزةٍ خامدة، وإلى قلوب أصحابها. لم يكن مقتل عماد مقداد (أبو الأمير) إنهاءً لحياة فرد فحسب، بل قطعاً لخيطٍ رفيعٍ يربط المحاصرين بالعالم. في مكان تُختزل فيه الحياة إلى تفاصيل صغيرة—شحن هاتف، إرسال رسالة، سماع صوت قريب—تصبح هذه التفاصيل نفسها أهدافاً.
ما جرى ليس حادثة معزولة، بل حلقة في سياقٍ تتآكل فيه مقومات العيش تباعاً: الماء، الكهرباء، الاتصالات، وحتى القدرة على البقاء على صلة بالعالم. في هذا الواقع، يتحول كل جهدٍ فردي لإبقاء الحياة ممكنة إلى فعل صمود، ليصبح استهدافه ضربةً تطال مجتمعاً كاملاً.
في المقابل، يقف العالم على مسافة متخاذلة: بيانات، مواقف، توازنات، وحسابات مصالح. تتراكم الخسائر الإنسانية بلا توقف، بينما تُرفع شعارات القانون الدولي وحقوق الإنسان، في اختبارٍ يبدو غائباً، أو مؤجلاً، أو خاضعاً لمعادلات لا ترى الإنسان إلا رقماً.
غزة اليوم ليست ساحة صراع فحسب، بل مرآة قاسية لحدود النظام الدولي، ولعجزه وغياب إرادته عن حماية المدنيين في أكثر لحظاتهم هشاشة. وفي هذه المرآة، تتكرر الصورة ذاتها: أناس يحاولون العيش، وأدوات بسيطة تمنحهم هذا الحق تُستهدف، كأنها خطر يجب إزالته.
رحل عماد مقداد، لكن قصته تبقى شاهداً على زمنٍ يُعاد فيه تعريف معنى الحياة نفسها، وسؤالٍ مفتوحٍ بلا إجابة: كم يجب أن يخسر الإنسان قبل أن يلتفت العالم إليه؟




أضف تعليق
قواعد المشاركة