العملاء وخيانة الأوطان: حين يتحوّل الإنسان إلى أداة ضد شعبه – الحالة الفلسطينية نموذجاً
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.ليست العمالة مجرّد فعل فردي عابر، بل هي جرحٌ نازف في جسد الوطن، وخطّ تصدّعٍ في بنيته الأخلاقية والاجتماعية. في سياقات الاستعمار، لا يظهر "العميل" كحالة معزولة، بل كنتاجٍ مرير لآلة قهرٍ تُتقن تفكيك الإنسان قبل الأرض. وفي فلسطين، حيث يتواصل الصراع منذ عقود، لم تكن هذه الظاهرة طارئة، بل رافقت المشروع الاستعماري منذ بداياته، بأشكالٍ تتراوح بين الهمس في الظلّ، والاشتراك المباشر في صناعة الألم.
أولاً: العمالة… الوجه الآخر للاحتلال
حين يعجز الاحتلال عن كسر الإرادة جماعياً، يبحث عمّن يكسرها من الداخل. هنا، تولد العمالة: علاقة غير متكافئة، يُختزل فيها الإنسان إلى أداة، ويُعاد تشكيل وعيه تحت وطأة الخوف أو الحاجة. ليست المسألة مجرد تبادل معلومات، بل انخراطٌ في منظومة تستهدف المجتمع في صميمه، وتحوّل الفرد إلى خنجرٍ في خاصرة أهله.
ثانياً: كيف يُصنع العميل؟
لا يولد العملاء في فراغ، ولا ينشأون دائماً بدافع الخيانة الصافية. خلف كل حالة، حكاية ضغطٍ أو ضعفٍ أو انكسار:
▪️︎الابتزاز والإكراه: حيث يُحاصر الإنسان بملفاته الخاصة، أو بحاجاته، فيُدفع دفعاً نحو الهاوية.
▪️︎الفقر والحاجة:
حين تتحوّل لقمة العيش إلى أداة تجنيد، ويُختبر الضمير في أقسى ظروفه.
▪️︎الاغتراب والتهميش: حين يشعر الفرد أنه خارج الجماعة، فيسهل اقتلاعه منها.
▪️︎الدوافع الشخصية: وهي الأقل، لكنها الأخطر، حين تتماهى المصلحة الذاتية مع مشروع العدو.
ثالثاً: فلسطين… مختبر القهر
في غزة والضفة الغربية، لم يترك كيان الاحتلال وسيلة إلا واستخدمها لتجنيد العملاء: تصاريح تُمنح وتُسحب، حواجز تتحكم في تفاصيل الحياة، معتقلات تُدار كمساحات ضغط نفسي، واحتياجات إنسانية تُحوَّل إلى أوراق مساومة.
بعض من سقطوا في هذا الفخ لم يقتصر دورهم على نقل معلومة، بل دُفعوا إلى مهامّ أقرب إلى الانتحار: التقدّم في مناطق مشبوهة، كشف مواقع المقاومة، أو حتى الإسهام في استهداف أبناء جلدتهم.
وهنا، تتجلّى القسوة بأوضح صورها: العميل ليس شريكاً، بل أداة مؤقتة، تُستخدم حتى الاستهلاك، ثم تُرمى بلا أدنى التزام أو حماية.
رابعاً: حين ينتهي الدور… تبدأ النهاية
التاريخ لا يرحم، وهو يكرّر نفسه بوضوحٍ يكاد يكون فاضحاً.
في جنوب لبنان، انهارت الميليشيات المتحالفة مع كيان الاحتلال فور انسحابه عام 2000، وتحوّل من ظنّوا أنفسهم محميين إلى هاربين أو معزولين.
وفي أفغانستان، تكرّر المشهد بصورة أكثر قسوة بعد انسحاب الولايات المتحدة عام 2021، حيث تُرك آلاف المتعاونين لمصيرٍ مفتوح على الخوف والمجهول.
▪️︎الدرس واحد:
القوى الخارجية لا تبني ولاءات دائمة، بل تستخدمها. وحين تنتهي الحاجة، ينتهي كل شيء.
خامساً: فلسطين… بين الوجع والمواجهة
في المجتمع الفلسطيني، لا تُقاس العمالة فقط بخطرها الأمني، بل بقدرتها على زعزعة الثقة، وتمزيق العلاقات، وبثّ الشك في أبسط تفاصيل الحياة.
ومع ذلك، فإن الردّ على هذه الظاهرة لا يمكن أن يكون أمنياً فقط؛ فالقهر الذي يصنع العميل، لا يُهزم إلا بتفكيك أسبابه.
أما المصير، فغالباً ما يكون واحداً، مهما تأخّر:
▪️︎عزلة تلتهم صاحبها
▪️︎فقدانٌ لا يُعوّض للثقة والانتماء
▪️︎تخلٍّ من الجهة التي استخدمته
▪️︎حياةٌ معلّقة بين خوفٍ دائم ومنفى قاسٍ
▪️︎خاتمة
العمالة ليست مجرد خيانة لحظة، بل مسار ينتهي غالباً بخسارة كل شيء: الوطن، والمجتمع، وحتى الذات.
وفي فلسطين، حيث تتجذّر الهوية في الأرض والذاكرة، يبقى العميل غريباً، مهما حاول الاحتماء بظلّ قوةٍ زائلة.
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون فقط بالملاحقة، بل ببناء إنسانٍ عصيّ على الكسر، ومجتمعٍ لا يترك أبناءه فريسة للحاجة أو العزلة. فالوطن لا يُحمى بالسلاح وحده، بل بالوعي، والعدالة، والكرامة.
..............................
■ المراجع
▪️︎المسيري، عبد الوهاب. (2004). موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية. القاهرة: دار الشروق.
▪️︎المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. (2021). الاستعمار الاستيطاني وآثاره الاجتماعية في فلسطين. الدوحة: المركز العربي.



أضف تعليق
قواعد المشاركة