دوّار بني سهيلا.. حين تُمحى غزة أمام صمت العالم

منذ 16 ساعة   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.


من قلب خان يونس، وتحديداً عند دوّار بني سهيلا، لا يُهدم الحجر وحده، بل تُسحق ذاكرة مدينة كاملة تحت جنازير دبابات الاحتلال. البيوت التي كانت تضجّ بأصوات الأطفال، وتفوح منها رائحة الخبز والقهوة وصباحات الناس البسطاء، تحوّلت إلى ركامٍ بارد، بينما يُقيم جيش الاحتلال فوق أنقاضها موقعاً عسكرياً جديداً، وكأنّه يعلن للعالم أن الحرب لم تعد تستهدف البشر فقط، بل تستهدف المكان والهوية والتاريخ، وكل ما يدلّ على أن هنا كانت غزة.

إنّه نهجٌ واضح في محو المعالم، ومسح الذاكرة، وإعادة تشكيل الجغرافيا بالنار والحديد. فغزة التي عجزوا عن كسر روحها، يحاولون اليوم اقتلاع شوارعها وأحيائها وأسمائها، حتى لا يبقى شاهدٌ واحد على حياة الفلسطينيين فوق أرضهم. ففي بني سهيلا، لم تُهدم منازل المدنيين لأنها مواقع عسكرية، بل لأنها بيوت فلسطينيين، ولأن الاحتلال لا يرى في هذه الأرض سوى مساحة يريد إخضاعها بالقوة والخراب.

لكنّ المشهد الأكثر وجعاً لا يقف عند جرائم الاحتلال وحدها، بل يمتدّ إلى هذا العالم المنافق، الذي أتقن لغة البيانات الباردة، بينما كان أطفال غزة يُنتشلون من تحت الركام أشلاءً وأحلاماً مبتورة. عالمٌ يتحدّث طويلاً عن حقوق الإنسان، ثم يصمت حين يكون الضحية فلسطينياً. عالمٌ يرى الدمار لحظةً بلحظة، ثم يواصل حياته كأنّ شيئاً لم يكن، وكأنّ الدم الفلسطيني أقلُّ قيمةً من دماء الآخرين.

أما العروبة، فقد بدت في هذا الزمن كجسدٍ بلا روح. كثيرون ماتت العروبة في عروقهم، فلم تعد تحرّكهم صرخات الأمهات، ولا ارتجاف الأطفال تحت القصف، ولا مشاهد البيوت التي تُمحى من الوجود. تحوّلت القضية عند البعض إلى خبرٍ عابر، أو مادةٍ للخطابات والشعارات، بينما كانت غزة تنزف وحدها، وتواجه الموت والجوع والحصار بصدرٍ عارٍ.

والأشدُّ قسوةً، أن بين المسلمين من لم يبقَ من الإسلام في قلوبهم سوى اسمه. يرفعون الشعارات، ويتغنّون بالأخوّة، ثم يخذلون شعباً يُباد على مرأى العالم. نسوا أن الإسلام ليس كلماتٍ تُقال، بل موقفٌ من الحق، ونصرةٌ للمظلوم، ورفضٌ للذلّ والخذلان. نسوا أن غزة لا تطلب المستحيل، بل تطلب فقط ألّا تُترك وحدها في مواجهة آلة القتل والدمار.

ورغم كل هذا الخراب، تبقى غزة واقفةً بطريقةٍ تُربك العالم. مدينةٌ تُهدم كل يوم، لكنها لا تسقط. شعبٌ يُحاصر ويُجوَّع ويُقتل، لكنه لا يتخلّى عن أرضه ولا عن كرامته. وسيبقى دوّار بني سهيلا شاهداً على جريمةٍ جديدة، وشاهداً  على زمنٍ سقطت فيه الإنسانية، وسقطت معه أقنعة المنافقين، بينما بقي الفلسطيني وحده يحمل وجعه، ويدفن شهداءه، ويواصل الصمود فوق أرضٍ لم تعد تعرف سوى الحزن والوفاء.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

دوّار بني سهيلا.. حين تُمحى غزة أمام صمت العالم

من قلب خان يونس، وتحديداً عند دوّار بني سهيلا، لا يُهدم الحجر وحده، بل تُسحق ذاكرة مدينة كاملة تحت جنازير دبابات الاحتلال. البيو… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون