حين يعود الحجيج... وتبقى غزة ومخيماتها في موسم الألم
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.في كل يوم تستيقظ غزة على وجعٍ جديد، وعلى حكايةٍ أخرى من الألم لا تنتهي. مدينةٌ أنهكتها الحروب، وأثقلتها الجراح، لكنها ما زالت تقف رغم كل ما يحيط بها من دمارٍ وحصارٍ وخذلان.
غزة ليست مجرد مكان على الخريطة، بل قصة شعبٍ يعيش بين الركام، ويحمل في قلبه ما يكفي من الصبر ليواجه العالم كله. هناك، تحت أصوات القصف، تبقى الأمهات متمسكات بأمل العودة إلى حياةٍ طبيعية، ويبقى الأطفال يحلمون بمدرسةٍ آمنة وسريرٍ دافئ، بينما يواصل الآباء البحث عن لقمةٍ تحفظ ما تبقى من كرامة الحياة.
وما يؤلم غزة ليس القصف وحده، بل ذلك الصمت الذي يلف العالم من حولها. خذلانٌ يتكرر في كل مرة، ووعودٌ تتبخر مع أول اختبارٍ للإنسانية. تشاهد غزة الوجوه التي كانت تتحدث عن العدالة والحقوق وهي تدير ظهرها لمعاناة آلاف الأبرياء، فتزداد الجراح عمقاً، ويكبر الشعور بالوحدة.
عاد الحجيج بعد أن أدّوا مناسك الحج، وقد غسلت دموع الدعاء قلوبهم، وعادوا إلى أوطانهم يحملون بشائر الرحمة والمغفرة. أما أهل غزة، فما زالت مناسكهم مستمرة، لا تنتهي بانتهاء موسمٍ ولا تنقضي بانقضاء الأيام. يطوفون حول الخيام بدل البيوت، ويسعون بين التكيّات ومواطن سقيا الماء بحثاً عما يسدّ رمق أطفالهم، ويقفون طويلاً تحت سماءٍ مثقلة بالدخان والرجاء. يرفعون أكفّهم بالدعاء كما يرفعها الحجيج، لكن دعاءهم ممزوج بلوعة الغياب ومرارة الانتظار. عيونهم ترنو إلى السماء، لا طلباً لنعيم الدنيا، بل رجاءً في أمانٍ غاب، ورحمةٍ تداوي الجراح، وفرجٍ يبدّد ليل المعاناة الطويل.
ومع ذلك، لم تنكسر غزة ومخيماتها. فكل بيتٍ هُدم، خلفه إرادةٌ تبني من جديد. وكل دمعةٍ سالت، خلفها قلبٌ يرفض الاستسلام. وكل شهيدٍ ارتقى، ترك وراءه قصة صمودٍ تُروى للأجيال القادمة.
لقد اعتادت غزة أن تواجه المحن وحيدة، لكنها لم تعتد الهزيمة. فمن بين الأنقاض تنبت الحياة، ومن بين الدخان يولد الأمل، ومن بين الألم يخرج صوتٌ يقول للعالم: ما زلنا هنا.
غزة تنزف، نعم. تبكي، نعم. تتألم كما لم تتألم مدينةٌ من قبل، لكنها لا تنكسر، لأنها تحمل في روحها قوة الذين لا يملكون إلا إيمانهم بحقهم في الحياة. وستبقى، رغم الخذلان، عنواناً للصبر والصمود، وشاهداً على أن الإرادة الإنسانية أقوى من كل محاولات الإخماد والإلغاء.
غزة اليوم جريحة، لكن الجراح ليست نهاية الحكاية. فهناك دائماً فجرٌ ينتظر بعد أطول الليالي، وأملٌ يولد من قلب المعاناة، وشعبٌ أثبت مراراً أن الكرامة لا تُقصف، وأن الصمود لا يُهزم. وبين كل خطوةٍ في دروب الألم، يواصل أهلها كتابة ملحمةٍ إنسانيةٍ استثنائية، تؤكد أن المدن قد تُحاصر، وأن البيوت قد تُهدم، لكن إرادة الشعوب الحرة لا تُهزم أبداً.



أضف تعليق
قواعد المشاركة