بين خليل الأب وخليل الابن... حكاية وفاء في سيرة الشهيد نزار بنات
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.منذ أن تعرّفتُ إلى الشهيد نزار بنات، بعد صدور كتابي عن الشهيد ناجي العلي بعنوان "ناجي العلي... من أجل هذا قتلوني"، الصادر عن دار بيسان عام 2001، كان هناك اسمٌ يتكرر كثيراً في أحاديثه: خليل.
وفي البداية، كان المقصود خليل الأب، الرجل الذي احتل مكانةً استثنائيةً في قلب نزار ووجدانه. كان يتحدث عنه بمحبةٍ عميقة وفخرٍ كبير، وكأنه يستعيد في كل مرة سيرة رجلٍ استثنائي أسهم في تشكيل حياته وشخصيته وصياغة منظومته الأخلاقية والإنسانية.
كان نزار دائم الحديث عن والده خليل، وعن سنوات طفولته التي عاشها بين السعودية والخليل، كما كان يعود باستمرار إلى بلدته الأصلية عجور، التي بقيت حاضرةً في وجدانه رغم تهجير أهلها وتشتيتهم. كان يتحدث عنها بحنينٍ واضح، وكأنها ليست مجرد قرية في الذاكرة، بل جزءٌ أصيل من هويته الشخصية والعائلية. كانت عجور بالنسبة إليه حكاية الجذور الأولى، وحكاية العائلة التي حملت الوطن معها أينما ذهبت.
وكان يستعيد ذكريات الطفولة والعائلة، ويعود إلى تفاصيلها الصغيرة، ويستحضر أسماء الأماكن والناس والقصص التي سمعها عن بلدته من والده وأهله. وفي كل ذلك كان خليل الأب حاضراً؛ يروي ويحفظ وينقل الذاكرة من جيل إلى جيل.
وعلى امتداد سنوات معرفتي به، لم يكد يمرّ لقاءٌ أو حديثٌ من دون أن يعود إلى سيرة والده. كان يتحدث عن تعب الأب وكفاحه، وعن رجلٍ ربّى أبناءه من عرق جبينه، وغرس فيهم قيم الكرامة والشرف والاعتماد على النفس. وكان نزار يرى أن ما امتلكه من صلابة في الموقف وتمسّكٍ بالمبادئ يعود، في جانبٍ كبير منه، إلى تلك التربية التي تلقّاها على يد والده.
كان يفخر بأبيه فخراً لا يخفيه، لم يكن يتحدث عن المال أو الميراث، بل عن الأخلاق والصدق والشجاعة والإحساس بالمسؤولية. وكان يرى أن أعظم ما يمكن أن يقدمه الأب لأبنائه هو أن يورثهم القيم التي عاش عليها.
ومع مرور السنوات، لم يعد اسم خليل في حديث نزار يقتصر على والده وحده. فحين رزقه الله بابنه خليل عام 2019، بدا الأمر وكأنه أكثر من مجرد اختيار اسم. كان ذلك تعبيراً عن وفاءٍ عميق لوالده، وعن رغبةٍ في أن يستمر هذا الاسم الذي ارتبط في ذاكرته بمعاني التعب الشريف والمحبة والكرامة. وكأن خليل الأب عاد حاضراً في حياة نزار من خلال خليل الابن.
ومنذ ذلك الوقت، أصبح الاسمان يحضران معاً في أحاديثه. كان خليل الأب يمثل الجذور والذاكرة والبدايات، بينما كان خليل الابن يمثل الامتداد والمستقبل والأمل. وبينهما كان نزار يقف رابطاً بين جيلين؛ يحمل ما ورثه من أبيه، ويحاول أن يورثه لأبنائه.
ولم يكن هذا الارتباط مجرد علاقة عائلية عابرة، بل بدا وكأنه جزءٌ من رؤيته للحياة نفسها. كان يعود إلى "الخليلين" كلما تحدث عن العائلة أو القيم أو المسؤولية، وكأنهما يمثلان نقطة التوازن التي يستند إليها وسط عالمٍ مليء بالضغوط والتحديات. ففي أحدهما ذاكرة الماضي، وفي الآخر وعد المستقبل.
كان خليل بالنسبة إليه أكثر من اسم. كان حكايةً تمتد بين جيلين؛ جيلٍ ربّى وكافح وصنع، وجيلٍ يحمل الاسم ويواصل المسيرة. ولهذا ظل هذا الاسم حاضراً في وجدانه وحديثه بصورةٍ لافتة، حتى بات جزءاً من سيرته الشخصية والإنسانية.
رحل نزار بنات، لكن صورته وهو يتحدث بمحبة عن والده خليل ما زالت حاضرةً في ذاكرتي. بقيت ذكرياته عن طفولته في السعودية والخليل، وبقي حنينه إلى عجور، وبقي فخره بأبيه الذي صنع حياته من عرق جبينه، كما بقي حلمه بأن يربي أبناءه على القيم نفسها التي تربّى عليها.
وهكذا تظل سيرة نزار مرتبطة بالخليلين؛ خليل الأب الذي أسهم في صناعة الرجل وغرس فيه قيمه ومبادئه، وخليل الابن الذي يحمل اليوم الاسم والامتداد. وبينهما تقف عجور، القرية التي ظلت تسكن ذاكرته، وتقف سيرة رجلٍ عاش وفياً لأبيه وأبنائه وجذوره حتى آخر يومٍ من حياته.
رحم الله الشهيد نزار بنات، وحفظ خليل الأب وخليل الابن، لتبقى حكاية الوفاء الممتدة بين جيلين شاهداً على سيرة عائلةٍ كتبت اسمها بالصبر والكرامة والمحبة.
يبقى الوجعُ إذا غاب أصحابُهُ،
ويظلُّ فينا الصمتُ حين نناديهِ.
يمضي الرجالُ وتبقى حكاياتُهم،
كالنورِ يشعلُ في العتماتِ مآسيهِ.
يا من تركتَ الاسمَ يمشي في دمانا،
لن ينطفئْ ما دام في الأرضِ راويهِ.



أضف تعليق
قواعد المشاركة