نزار بنات: الذين يشبهون الحقيقة لا يعيشون طويلاً
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.لم يكن نزار بنات، ابن بلدة عجّور المحتلة، رجلاً عادياً. كان يشبه صوته أكثر مما تشبهه ملامحه، ويشبه مواقفه أكثر مما تشبهه يوميات الناس. عاش في دورا الخليل كأنه ضيف عليها، لا يطلب من الحياة إلا حقه في قول كلمة لا تنكسر ولا يساوم عليها. وفي اللحظة التي ظن فيها البعض أن كثرة الوجوه حوله تعني كثرة الأصدقاء، تبيّن أن ما كان لديه مجرد معارف؛ عابرون حول رجل كان يملك من الصدق ما يربك الجميع.
نزار بنات، ذاك الذي اعتقد كثيرون أنه محاط بالأصدقاء، كان في الحقيقة محاطاً بالوهم. يمشي بينهم ولا يشبه أحداً، يقول ما يخشاه غيره، ويتقدم خطوة إلى الأمام حين يتراجع الجميع خطوة إلى الخلف. لم يكن بطلاً يتدرّب على البطولة، ولا معارضاً يسعى إلى دور. كان رجلاً يرى الظلم أمامه، فيشير إليه ويسمّي الأشياء بأسمائها، وكان ذلك وحده كافياً ليبدأ اغترابه الطويل.
في الخليل، حيث وُلد وكبر، عاش غريباً. غربة لم تكن فقراً في الصداقة، بل فائضاً من الوعي. لم يعرف المجاملات، ولم يُتقن لعبة التلوّن، ولم يقبل أن يبدّل رأيه ليُعجب أحداً. كان يعرف أن محبة الناس له تأتي من صدقه، وأن كره البعض له يأتي أيضاً من صدقه. بين حب يخشى الناس إعلانه، وكره يجرؤون على إظهاره، عاش نزار بنات (أبو كفاح) كما يعيش الذين سبقوا زمنهم: خارج الاصطفافات، وبلا سند، وبلا مساومة.
كان يخرج بهاتفه البسيط ليواجه منظومة كاملة. يجلس أمام الكاميرا وحده، بلا استوديو ولا حرس ولا حزب يحتمي به، ويبدأ حديثه كأنما يخاطب ضميره قبل أن يخاطب الناس. لم يكن يملك سوى كلماته، لكنها كانت كافية لتجعل كثيرين يشعرون بالضيق من رجل أعزل.
وكان من عادته، قبل أن يسجل بعض مقاطع الفيديو، أن يتصل بعدد من معارفه ويتبادل معهم النقاش حول بعض الأفكار التي ينوي طرحها. أذكر أنه اتصل بي ذات مرة وسألني عن اسم زوجة الرئيس اللبناني الراحل بشير الجميل، فأجبته بأنها صولانج جميل. تبادلنا الحديث يومها وانتهت المكالمة كأي حديث عابر.
وفي مساء اليوم التالي اتصل بي مجدداً وسألني إن كنت قد شاهدت الفيديو الذي نشره قبل قليل. أخبرته أنني لم أشاهده بعد، فقال: "شاهده وأعطني رأيك". استمعت إلى المقطع، فإذا به يذكر صولانج على أنها زوجة أمين الجميل. اتصلت به فوراً وقلت له ضاحكاً: "يا أبا كفاح، أمين هو شقيق بشير، وليس بشيراً نفسه". ضحك نزار من قلبه، وضحكت معه، ثم قال بعفويته المعهودة: "مشيها".
قد تبدو حكاية صغيرة لا تستحق التوقف عندها، لكنها تكشف جانباً من شخصيته لا يعرفه كثيرون. كان يستشير ويستمع، ولا يتعامل مع نفسه بوصفه مالك الحقيقة المطلقة. وبرغم صلابة مواقفه وحدّة نقده، ظل محتفظاً بتلك البساطة الإنسانية التي جعلته قريباً ممن عرفوه، وأقرب إلى نفسه من كثيرين احترفوا الأدوار والأقنعة.
ولم تكن صراحته أمراً طارئاً أو موقفاً عابراً في حياته. فقد روى لي بنفسه، ثم سمعت تفاصيل الحادثة لاحقاً من صديقه الحاج فايز دويك، ما جرى معه في جامعة بيت لحم يوم السبت الثامن من حزيران/يونيو 2013.
خلال لقاء سياسي حضره عدد من الشخصيات الوطنية، وجّه نزار سؤالاً مباشراً إلى تيسير خالد حول قدرة القيادة الفلسطينية على رفض الضغوط الأميركية. ولم يكن السؤال مهادناً أو قابلاً للتأويل، إذ قال له: "إذا كنتم في عز شبابكم أنجبتم لنا أوسلو، ذلك المولود المسخ، فماذا ننتظر منكم اليوم وأنتم في عمر الزهايمر؟".
أثارت عبارته غضباً في القاعة، وتعرض على إثرها للاعتداء. لكن ما بقي عالقاً في الذاكرة لم يكن الاعتداء نفسه، بل إصراره على عدم الاعتذار. كان بإمكانه أن يخفف من حدة الموقف بكلمة واحدة، أو أن يتراجع خطوة إلى الخلف كما يفعل كثيرون، لكنه لم يفعل. ظل متمسكاً بحقه في التعبير عن رأيه، مؤمناً بأن الكلمة التي تُقال عن قناعة لا تُسترد خوفاً من العواقب.
لم يكن ذلك الموقف استثناءً في حياته، بل كان صورة مكثفة عنها. فالرجل الذي رفض الاعتذار يومها هو نفسه الرجل الذي واصل لاحقاً السير في الطريق الأصعب، مؤمناً بأن قيمة الكلمة لا تُقاس بحجم التصفيق لها، بل بحجم الثمن الذي يكون صاحبها مستعداً لدفعه من أجلها.
ثم جاءت لحظة الغياب؛ لحظة جعلت كل شيء يبدو أوضح وأكثر قسوة. استُشهد نزار بنات كما عاش؛ غريباً. استُشهد وحوله وجوه كثيرة، لكنها لم تكن الوجوه التي تحمي، بل الوجوه التي لا تعرف معنى الرفقة. استُشهد في زمن صارت فيه الحقيقة عبئاً، والسكوت مصلحة، والصدق جريمة لا تُغتفر.
لم يغادر نزار بنات فعلياً. ترك وراءه موقفاً وسؤالاً يطارد كل من يخشى الكلمة؛ لماذا يموت الذين يتكلمون، ويعيش الذين يزيّنون الصمت؟
ورغم رحيله، ظل صوته حاضراً في الذاكرة، عصياً على الغياب.
لم يكن لنزار الكثير من الأصدقاء، لكنه كان بلا شك رجلاً لم يملك ترف أن يشبه أحداً؛ لأن الذين يشبهون الجميع يعيشون طويلاً، أما الذين يشبهون الحقيقة فيعيشون قليلاً، لكن حضورهم لا يغيب.
رحل، لكن الأيام أكدت الحقيقة التي عاش من أجلها؛ أن أصحاب الكلمة قد يرحلون، لكن كلماتهم لا ترحل معهم، بل تبقى حاضرة في الذاكرة كلما ظن الناس أن الرحيل أسدل ستاره الأخير.



أضف تعليق
قواعد المشاركة