نزار بنات... حكاية عمرٍ بدأت بابتسامة وانتهت بوجعٍ لا ينتهي
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.تمرّ في حياة بعض الناس سنوات طويلة دون أن تترك أثراً يُذكر، بينما يمرّ آخرون في هذه الدنيا زمناً قصيراً، لكنهم يملؤون القلوب حضوراً، ويتركون وراءهم من الذكريات ما يجعل الغياب أشد إيلاماً من الوصف. وكان نزار بنات واحداً من أولئك الذين لا تُقاس أعمارهم بعدد السنوات، بل بما تركوه من أثر في النفوس، وبما حملوه من صفات نادرة جعلت رحلتهم في الحياة مختلفة منذ بدايتها وحتى نهايتها.
وعندما أستعيد محطات حياة نزار، أشعر أنني لا أروي سيرة إنسان فحسب، بل أقرأ فصول قصة كتبتها الأقدار بإحكام عجيب، ووضعت في كل مرحلة منها إشارات ودلالات، ثم تكشفت مع الأيام لتفسر جانباً من شخصيته ومسيرته.
في صباح يوم الخميس السابع والعشرين من آب عام 1978، وعلى أرض فلسطين، وفي خلة حاضور وسط مدينة الخليل، وُلد نزار عند الساعة العاشرة صباحاً. اختار له والداه اسم نزار، وكان له من اسمه نصيب؛ فالنزار في اللغة قليل الأشباه والنظائر، وكذلك كان في حياته كلها.
ومن أعجب ما يستوقف الذاكرة أن يوم مولده كان يوم الخميس، واليوم نفسه كان يوم اغتياله. وكأن الحياة أرادت أن تكتمل دورتها بين خميسين؛ خميس استقبل الدنيا فيه طفلاً جميلاً، وخميس ودّعها فيه تاركاً وراءه حزناً لا يزول.
ولم تكن ولادته كولادة سائر الأطفال؛ فعندما اقترب موعد ولادته خرج والده يبحث عن القابلة، وغاب نحو نصف ساعة دون أن يجدها. وحين عاد ليتدبر الأمر، وجد أن الطفل قد خرج إلى الحياة دون مساعدة أحد. كان مستلقياً إلى جوار أمه وقد هدأت آلامها، وكأنه كان مستعجلاً للقدوم إلى هذه الدنيا، مصمماً منذ لحظته الأولى على أن يشق طريقه بنفسه.
وكان نزار طفلاً يأسر القلوب بجماله؛ فقد جمع الله له جمال الملامح وصفاء الروح، حتى إن كثيرين كانوا يرون فيه شيئاً من جمال يوسف عليه السلام. كان أبيض البشرة، أشقر الشعر، أخضر العينين، يلفت الأنظار أينما حلّ، وكان الابن الثاني في العائلة.
وفي طفولته المبكرة، وبين أزقة خلة حاضور ودفء أهلها، نشأ نزار وترعرع محاطاً بالمحبة. كانت الأيدي تتجاذبه والقلوب تلتف حوله لما ظهر عليه من ذكاء وفطنة وسلوك يفوق عمره بكثير. وكان كل من يجالسه يشعر أنه أمام طفل مختلف يحمل روحاً ناضجة في جسد صغير.
ومن أوائل الإشارات التي ظهرت عليه شغفه العجيب بالمدرسة قبل أن يبلغ سن الالتحاق بها. كان يرافق إخوته كل صباح إلى المدرسة الأيوبية، يحمل حقيبته الصغيرة وفيها بعض الكتب والدفاتر، ثم ينتظر حتى موعد الانصراف ليعود معهم وكأنه أحد طلاب المدرسة المتفوقين. لم يكن ذلك لعباً عابراً، بل كان تعبيراً مبكراً عن عشق المعرفة والرغبة في التعلم.
وكانت له جاذبية خاصة يصعب تفسيرها. لم يكن يأنس كثيراً بمجالس الأطفال ولهوهم، بل كان يميل إلى الكبار ويستمتع بأحاديثهم ونقاشاتهم. وكان الضيوف والجيران يفضلون مجالسته لما يجدونه فيه من ذكاء وحضور وطرافة حديث، حتى بدا وكأنه أكبر من عمره بسنوات.
كما عُرف منذ صغره بالمبادرة وتحمل المسؤولية، لكنه كان في الوقت نفسه عنيداً في ما يقتنع به. كان يؤدي واجبه بحماس، لكنه لا يقبل أن يفعل شيئاً لا يؤمن به، ويتمسك برأيه بإصرار شديد، وهي سمة لازمته في مختلف مراحل حياته.
ثم جاءت مرحلة الطفولة المتأخرة، التي امتدت بين المملكة العربية السعودية والأردن. ففي السعودية التحق بالمدرسة، وهناك لفت أنظار معلميه منذ السنوات الأولى. وجاء أحد المدرسين ليخبر والده أن هذا الطفل يمتلك طاقات استثنائية تستحق الرعاية، ونصحه بإلحاقه بمدارس تحفيظ القرآن الكريم بمدينة الهفوف- الأحساء التي كانت تتميز بقوة مناهجها وصعوبتها.
وهناك تألق نزار كما توقع له معلموه. كان من الطلبة المبدعين والمتفوقين، حتى خُصصت له مكافأة شهرية مقدارها خمسمائة ريال تقديراً لتميزه. وبعد عودته إلى الأردن أنهى دراسته حتى الصف السادس محتفظاً بالتفوق نفسه والقدرات ذاتها.
وكان من أكثر ما يثير الدهشة في شخصيته أنه جمع بين أمرين متناقضين؛ قراءة محدودة للمواد الدراسية ونتائج مبهرة تتفوق على كثير من المجتهدين. وكان السبب في ذلك ذكاءً فذّاً وقدرة استيعاب نادرة. وفي المقابل، كان شغوفاً بالقراءة الحرة، يلتهم الكتب الموجودة في مكتبة منزل ذويه، وينتقل بين التاريخ والدين والسياسة والاجتماع، وكأنه يعد نفسه منذ الصغر لمهمة أكبر من مجرد النجاح الدراسي.
أما فلسطين، فكانت تسكن قلبه منذ نعومة أظفاره. كان شوقه إلى الخليل يفوق الوصف، وعندما تنتهي الزيارة ويحين موعد العودة إلى الأردن، كان يحاول الاختباء أو الهرب أملاً في البقاء. وعندما كان يودع الخليل، كان المشهد أشبه باقتلاع شجرة من جذورها وإبعادها عن تربتها الأصلية.
ومن قصصه الطريفة أنه عند عبور الجسر بين فلسطين والأردن نسي أهله ذات مرة شهادة ميلاده في المنزل. وبينما كان والده يبحث عن مخرج للموقف، تقدم نزار بوجهه البريء نحو الشرطي قائلاً: «يا رجل، ألا تقبل هذا الوجه الجميل شاهداً على ميلادي؟ مشِّها عشاني». فضحك الشرطي ومن حوله، ثم سمح له بالعبور مرحباً به.
وفي زيارة أخرى، وبعد قيام السلطة الفلسطينية، رأى بعض الجنود الفلسطينيين على الجسر. كان يومها في الصف السابع، فاندفع نحو أحدهم وعانقه وقبله، وأخذ يلمس بدلته العسكرية وعيناه تلمعان فرحاً وفخراً. ولم يكن ذلك الفتى البريء يعلم أن تلك الصورة التي ملأت قلبه أملاً ستصبح لاحقاً جزءاً من أكثر فصول حياته إيلاماً.
ومع دخوله المرحلة الثانوية في مدرسة عبد الحليم النمر الثانوية ثم مدرسة السلط الثانوية للبنين، بدأت ملامح شخصيته الفكرية تتبلور بصورة أوضح. كان يتمرد على ما لا يقتنع به من أعراف أو أساليب حياة أو قوانين مدرسية، لكنه كان تمرداً واعياً لا عبثياً، ويتحمل نتائجه بشجاعة وصبر.
وفي تلك السنوات بنى ثقافة واسعة ومتينة. انشغل بقراءة التاريخ والقضية الفلسطينية والكتب الدينية والاجتماعية والسياسية، حتى أصبحت القراءة جزءاً أصيلاً من يومه وحياته. أما المواد الدراسية، فكان يحقق فيها نتائج متميزة رغم أنه لم يكن من أصحاب الدراسة التقليدية القائمة على الحفظ والتلقين، الأمر الذي كان يثير استغراب معلميه وإعجابهم في آن واحد.
وجاءت نتائج امتحان الثانوية العامة لتؤكد حجم تميزه وقدراته الاستثنائية؛ إذ حصل على المرتبة الثالثة على مستوى المملكة الأردنية الهاشمية في الفرع الأدبي، محققاً معدل 93.6%، وهو إنجاز عكس ما امتلكه من ذكاء فذّ وثقافة واسعة وقدرة لافتة على التحليل والاستيعاب. ولم يكن هذا التفوق ثمرة اجتهاد دراسي فحسب، بل نتاج شخصية شغوفة بالمعرفة، اعتادت أن تبحث وتقرأ وتناقش وتبني قناعاتها بنفسها.
وكانت أخبار فلسطين تستحوذ على اهتمامه بصورة لافتة. يتابعها بشغف لا ينقطع، ويعيش تفاصيلها لحظة بلحظة، وكأن بينه وبينها عهداً قديماً لا ينفصم.
وهكذا مضت سنوات نزار الأولى؛ طفولة مشرقة بالجمال والذكاء، وشباباً مبكراً مفعماً بالوعي والثقافة والانتماء. كان يحمل في قلبه حباً عميقاً لفلسطين، وفي عقله شغفاً لا ينقطع بالمعرفة، وفي شخصيته ملامح رجل سبق عمره بسنوات.
رحل الجسد، لكن الأثر بقي. وبقيت معه حكاية إنسان قليل الشبه والنظير، تماماً كما أوحى اسمه منذ البداية. حكاية بدأت بابتسامة طفل أضاء حياة من حوله، وانتهت بوجعٍ ما زال يسكن القلوب، وذكرى لا يمحوها الزمن، تترك في القلب حزناً لا يزول.



أضف تعليق
قواعد المشاركة