من جامعة بيت لحم إلى فجر الخليل: نزار بنات وفايز دويك في مواجهة القمع

منذ يومين   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

لم تبدأ نهاية نزار بنات في 24 حزيران/يونيو 2021.

بل بدأت قبل ذلك بثماني سنوات.

لم يكن نزار بنات من أولئك الذين يكتفون بمراقبة المشهد من بعيد؛ فمنذ سنوات طويلة اختار أن يواجه السياسات التي كان يراها خاطئة بصوت مرتفع، غير عابئ بما قد يترتب على ذلك من ملاحقة أو استهداف. وقد شكّلت حادثة مؤتمر جامعة بيت لحم عام 2013 إحدى أبرز المحطات التي كشفت مبكراً طبيعة هذه المواجهة.

في 8 حزيران/يونيو 2013، بدا مؤتمر حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) في جامعة بيت لحم مساحة للنقاش حول الاقتصاد الفلسطيني، قبل أن ينقلب سريعاً إلى مواجهة سياسية داخل القاعة. اصطدمت خطابات رسمية تتحدث عن "إنجازات اقتصادية" بمداخلات حادة من نزار بنات والحاج فايز دويك، رفضا لغة التجميل وأصرا على تشخيص الواقع كما هو، بعيداً عن محاولات التزييف.

توالت المداخلات خلال المؤتمر، وكان من أبرزها حديث تيسير خالد، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية آنذاك، الذي تطرق إلى لقاءات القيادة الفلسطينية مع وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، جون كيري، مؤكداً أن القيادة لن تمرر أي قرار لا ينسجم مع الإرادة الوطنية، وأن من يتجاوز هذا الإطار في تعاطيه مع الخارج سيجد نفسه على ما وصفه بـ"اللائحة السوداء".

عند تلك اللحظة، جاءت مداخلة نزار بنات التي غيّرت أجواء القاعة بالكامل. لم يكتفِ بالاعتراض أو إبداء التحفظ، بل وجّه سؤالاً مباشراً وحاداً إلى تيسير خالد حول قدرة القيادة الفلسطينية على مقاومة الضغوط الأمريكية. وقال: "إذا كنتم في عزّ شبابكم أنجبتم لنا أوسلو، ذاك المولود المسخ، فماذا ننتظر منكم اليوم وأنتم في عمر الزهايمر؟"

ثم تابع بسخرية لاذعة: "هل سيكون محمود عباس ضمن اللائحة السوداء، بما أنه يعيش تحت بسطار الاحتلال؟"

كانت كلمات نزار أشبه بقنابل سياسية داخل القاعة. لم تكن مجرد انتقاد لسياسات قائمة، بل تحدياً مباشراً للخطاب الرسمي وروايته السياسية. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد بالنسبة لكثيرين مجرد معارض يرفع صوته بالنقد، بل أحد أكثر الأصوات استعداداً لمواجهة السلطة من دون مواربة أو حسابات.

أما الحاج فايز دويك، فقد كان شاهداً على تلك المرحلة وشريكاً في بعض محطاتها. تابع عن قرب كيف تحوّل النقاش السياسي إلى مساحة ضيقة لا تتسع لكثير من الأصوات الناقدة، ورأى كيف أصبح نزار بنات، عاماً بعد عام، أكثر حضوراً في المشهد العام وأكثر إصراراً على التمسك بمواقفه. ومن موقعه هذا، بدت له حادثة جامعة بيت لحم واحدة من اللحظات التي كشفت مبكراً طبيعة الصدام المتنامي بين الكلمة الحرة والسلطة.

انسحب وزير الاقتصاد في حكومة رام الله آنذاك، جواد الناجي، من الجلسة وسط تصاعد التوتر، قبل أن يمتد الاحتكاك إلى خارج القاعة.

لكن ما جرى لم يكن مجرد خلاف داخل مؤتمر؛ ففي مرحلة لاحقة، بدا واضحاً أن الكلمة نفسها أصبحت تُعامل كفعلٍ خطير، وأن مجرد الاعتراض العلني يمكن أن يضع صاحبه في دائرة الاستهداف. ورغم ذلك، ازداد نزار بنات وضوحاً وتمسكاً بمواقفه، مدركاً أن الثمن سيكون باهظاً.

لم تكن نهاية نزار بنات في فجر 24 حزيران/يونيو 2021 حدثاً منفصلاً، بل محطة أخيرة في مسار بدأ فعلياً منذ حادثة جامعة بيت لحم عام 2013، حين بدأت ملامح المواجهة تتبلور، ومعها بدأت الكلمة تُعامل تدريجياً كتهديد لا كحق.

بالنسبة لفايز دويك، كانت تلك المرحلة نقطة كشف حاسمة؛ لم يعد الأمر مجرد اختلاف سياسي، بل تعبيراً عن علاقة غير متوازنة بين صوت فردي وسلطة لا تتسامح مع الإحراج العلني.

في فجر 24 حزيران/يونيو 2021، انتهت حياة نزار بنات خلال عملية اعتقال نفذتها أجهزة أمنية تابعة للسلطة في الخليل.

اليوم، تُروى القصة بين الرجلين بوصفها أكثر من صداقة؛ إنها شهادة على لحظة كان فيها قول الحقيقة فعلاً محفوفاً بالعواقب، حتى أصبح الصمت، في مكان ما، الشكل الأكثر أماناً للبقاء.

لكن نزار، كما يراه من عرفه، لم يختر هذا الطريق ليكون آمناً أصلاً.

كان نزار بنات صوتاً استثنائياً بين الأصوات الناقدة، وأضحى رمزاً لمرحلة فلسطينية عصيبة، لحظة بدا فيها أن المسافة بين الكلمة والعقوبة تضيق أكثر فأكثر، وما يجعل قصته حاضرة حتى اليوم ليس استشهاده وحده، بل السؤال الذي تركه خلفه؛ ماذا يتبقى من الحياة العامة حين يصبح التعبير عن الرأي ثمناً شخصياً باهظاً؟

هنا تحديداً تتجاوز الحكاية حدود نزار بنات وفايز دويك، لتصبح مرآة لعلاقة معقدة بين السلطة والنقد، وبين الحق في التعبير والخوف من تبعاته. فالقضية لم تعد تتعلق برجلين جمعتهما صداقة وموقف، بل بمجتمع كامل يواجه سؤالاً جوهرياً حول مساحة الحرية التي يملكها أفراده، وحول قدرة الكلمة على البقاء فعلاً مشروعاً لا تهمة تستوجب العقاب.

ولهذا، فإن ذكرى نزار بنات لا تُستعاد بوصفها استذكاراً لشخص استشهد فحسب، بل بوصفها تذكيراً دائماً بأن المجتمعات التي تضيق بالنقد تخسر إحدى أهم وسائل تصحيح أخطائها، وأن الكلمة التي تُحاصَر اليوم قد تتحول غداً إلى حقيقة لا يمكن تجاهلها.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

يوسف نصّار يروي: نزار بنات... خمسون شيكلاً وقطة جريحة

كان للشهيد نزار بنات العديد من المحطات والمواقف المضحكة والمحزنة والمبكية مع صديقه يوسف نصّار. لم يكن مجرد إنسان عابر، بل كان حكاي… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون