نزار بنات وعبد الستار قاسم.. حين يدفع الرجال أثمان قناعاتهم
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.ليست قيمة الرجال بما يملكون، ولا بما يتقلدونه من مناصب، بل بما يدفعونه ثمناً لما يؤمنون به. فالتاريخ لا يخلّد أصحاب السلامة والصمت، بل يحتفظ بأسماء أولئك الذين قالوا ما اعتقدوا أنه الحق، حين كان الصمت أكثر أمناً والكلمة أكثر كلفة.
في المشهد الفلسطيني، يبرز اسما البروفيسور عبد الستار قاسم والناشط نزار بنات بوصفهما نموذجين متقاربين في الجوهر، وإن اختلفت ساحات عملهما. فالأول جاء من فضاء الفكر والجامعة، والثاني من ميدان الفعل السياسي والاجتماعي، لكنهما التقيا عند نقطة واحدة؛ تحويل القناعة إلى التزام، والكلمة إلى موقف، والنقد إلى مواجهة مفتوحة مع الفساد والاستبداد.
لم يكن عبد الستار قاسم سياسياً تقليدياً، بل مفكراً وأستاذاً جامعياً كرّس عقوداً طويلة للكتابة والبحث والنقد. ومنذ توقيع اتفاق أوسلو، أعلن رفضه الصريح له، وهاجم التنسيق الأمني، ودعا إلى إصلاح النظام السياسي الفلسطيني، مؤكداً أن المقاومة والوحدة الوطنية يجب أن تبقيا في صدارة الأولويات.
أغنى عبد الستار قاسم المكتبة العربية بأكثر من خمسة وعشرين كتاباً ومئات الدراسات والمقالات، كما خاض تجربة العمل السياسي المباشر عندما أعلن ترشحه للانتخابات الرئاسية الفلسطينية عام 2004، ضمن التحضيرات لانتخابات مطلع عام 2005، قبل أن ينسحب منها احتجاجاً على ما اعتبره ابتعاداً عن أسس الانتخابات الحرة والنزيهة، وافتقارها إلى روح التنافس الحر والأمين. وفي سنوات لاحقة، أعلن نيته الترشح مجدداً في محطات سياسية مختلفة، من بينها عامَا 2008 و2014، إلا أن الانتخابات لم تُجرَ فعلياً. وظل حتى وفاته في فبراير/شباط 2021 من أبرز الأصوات الداعية إلى الإصلاح السياسي، ومثالاً للمثقف المستقل الذي لم يبدّل مواقفه تبعاً للظروف.
ولم تكن تلك المواقف بلا ثمن. فقد تعرّض للاعتقال أكثر من مرة، ودخل في صدام مباشر مع السلطة الفلسطينية لسنوات طويلة. وفي أغسطس/آب 2014، نجا من محاولة اغتيال في نابلس بعد إطلاق النار عليه أثناء توجهه لإجراء مقابلة تلفزيونية، فأصيب في قدمه. كما تعرّض لثماني حوادث اعتداء بين ضربٍ وإطلاق نار وحرق مركبة، إلى جانب تهديدات متكررة، واعتقال بتهمة التحريض على قتل محمود عباس.
في المقابل، برز نزار بنات بوصفه امتداداً أكثر حدّة لذلك الخط النقدي. لم يكن دبلوماسياً في لغته، بل اختار المواجهة المباشرة والنقد الحاد، شأنه شأن عبد الستار قاسم. جمعتهما شخصية صلبة وقناعة راسخة بأن الصمت على الفساد ضربٌ من ضروب التواطؤ معه.
ولم يكن التقاطع بين الرجلين فكرياً فحسب، بل جمع بينهما رابط سياسي وشخصي متين، فقد كان نزار بنات يزور عبد الستار قاسم مراراً في منزله بنابلس، ونشأت بينهما علاقة ثقة واحترام متبادل. وكان عبد الستار يتحدث عنه بوصفه معارضاً شرساً لا يساوم على قناعاته، ويقدّر جرأته الاستثنائية.
ولم تقتصر العلاقة بينهما على التوافق الفكري، بل امتدت إلى عمل سياسي مباشر؛ إذ عملا معاً على صياغة البرنامج الانتخابي لقائمة كانا يستعدان لخوض انتخابات المجلس التشريعي ضمنها، على أساس مواجهة الفساد وإعادة بناء النظام السياسي على أسس من الشفافية والمحاسبة.
ويروي من عرفهما أن العلاقة لم تخلُ من المزاح والمودة، وأن عبد الستار كان ينصح نزار كثيراً محذّراً إياه من أن هذا الطريق معروف النهاية، وأن ثمنه قد يكون الموت اغتيالاً أو قتلاً.
بعد رحيل عبد الستار قاسم في فبراير/شباط 2021، تمسّك نزار بنات بالبرنامج الانتخابي الذي وضعاه معاً دون تعديل.
وكان الرابط الأعمق بينهما الاشتباك المفتوح مع الفساد داخل السلطة الفلسطينية. لم يؤمنا بأنصاف المواقف، وظل نقدهما مباشراً وصريحاً رغم ما ترتّب عليه من ملاحقة وضغوط.
وقد دفع كل منهما ثمن ذلك. تعرّض عبد الستار قاسم للاعتقال والملاحقة ومحاولات الاغتيال والتهديد، بينما انتهت حياة نزار بنات بصورة مأساوية بعد اعتقاله فجر 24 يونيو/حزيران 2021، في حادثة هزّت الشارع الفلسطيني، وأعادت طرح أسئلة الحرية والمساءلة وحق الاختلاف السياسي.
ومن المفارقات القاسية أن عبد الستار قاسم رحل في فبراير/شباط 2021 وسط انتقادات لغياب رسمي عن جنازته، ثم كتب نزار بنات راثياً له، مؤكداً أن أصحاب المواقف لا تستمد قيمتهم من البروتوكولات، بل من تاريخهم ومواقفهم.
لكن المفارقة كانت قاسية؛ فبعد أقل من خمسة أشهر على رثائه لعبد الستار قاسم، أصبح نزار بنات نفسه موضوعاً للرثاء، وتحول اسمه إلى أحد أبرز عناوين الجدل الفلسطيني حول الحريات العامة وحدود السلطة وحق النقد.
وربما يختلف الناس حول الأفكار، لكنهم نادراً ما يختلفون على حقيقة واحدة؛ أن من يختار المواجهة ويدفع ثمن الكلمة لا يرحل بالكامل. فقد ترك عبد الستار قاسم إرثاً فكرياً واسعاً، بينما ترك نزار بنات أسئلة ما زالت مفتوحة حتى اليوم.
بين الرجلين تمتد حكاية جيلين جمعتهما قناعة واحدة؛ أن الكلمة التي تُقال بلا خوف تتحول إلى موقف، وأن الموقف الحقيقي لا يُقاس بما يحققه لصاحبه من مكاسب، بل بما يفرضه عليه من أثمان.
رحل عبد الستار قاسم، ولحق به نزار بنات، لكن حضورهما لم ينتهِ برحيلهما. فما زالت الأسئلة التي أثاراها حول الحرية والمساءلة والإصلاح السياسي حاضرة في المشهد الفلسطيني، وما زال الجدل الذي خاضاه مستمراً بأسماء ووجوه مختلفة. تلك هي المفارقة التي يصنعها أصحاب المواقف؛ يغيبون جسداً، لكنهم يبقون جزءاً من النقاش الذي حاولوا فتحه، ومن الذاكرة التي يصعب إغلاقها.



أضف تعليق
قواعد المشاركة