العدالة المذبوحة: قصة نزار بنات والقاضي محمود خليف
منذ 10 ساعات
شارك:
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.في الأوطان التي تُحترم فيها العدالة، يبقى القاضي حارساً للحق، ويبقى الإنسان مصان الكرامة مهما اختلفت آراؤه. لكن المأساة الكبرى تبدأ حين يصبح احترام القانون نفسه سبباً للعقاب، وحين يتحول الدفاع عن الكرامة الإنسانية إلى تهمة تستوجب الإقصاء.
في الثالث والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، وقف الناشط السياسي نزار بنات أمام محكمة صلح أريحا معتقلاً بسبب آرائه. وبينما كانت تتصاعد المخاوف من تضييق الحريات، خرج صوته من داخل المحكمة قائلاً: «أنا فخور بما قلته»، محذراً من أن فلسطين، إذا استمر انحدار سقف الحريات أكثر من ذلك، ستصبح «غير صالحة للسكن البشري».
في تلك اللحظة، لم يتعامل القاضي محمود خليف مع نزار بوصفه خصماً سياسياً أو صاحب رأي مخالف، بل تعامل معه بوصفه إنساناً له كرامة يجب أن تُصان. أجلسه على الكرسي، وطلب له الماء، ثم أصدر قراره بالإفراج عنه، في موقف جسّد المعنى الحقيقي للقضاء، حين يكون القانون ملاذاً للمظلوم لا أداة لتكميم الأفواه.
لكن السنوات اللاحقة حملت مشهداً أكثر إيلاماً.
ففي عام 2021، اغتيل نزار بنات في جريمة هزّت الضمير الفلسطيني، وأثارت موجة واسعة من الاستنكار والغضب، بعدما دفع حياته ثمناً لكلمته ومواقفه.
وبعد عامين فقط، جاء الدور على القاضي محمود خليف، الرجل الذي عرفه كثيرون بقاضي الكرامة والإنسانية. فقد صدر قرار بإنهاء خدمته، في خطوة اعتبرها حقوقيون ومحامون قراراً تعسفياً ورسالة مقلقة لكل من يتمسك باستقلال القضاء وسيادة القانون.
ويا للمفارقة المؤلمة؛ فالرجل الذي تعامل مع نزار بنات بوصفه إنساناً يستحق الكرامة والحرية، وجد نفسه لاحقاً ضحيةَ قرارٍ اعتبره كثيرون تعسفياً.
كأن القدر أراد أن يجمع بين الرجلين في قصة واحدة؛ أحدهما دفع حياته ثمناً لكلمة، والآخر دفع منصبه ثمناً لموقف.
إن أكثر ما يوجع في هذه القصة ليس فقط اغتيال نزار بنات، ولا إبعاد محمود خليف عن منصة القضاء، بل ذلك الشعور الثقيل بأن العدالة نفسها أصبحت بحاجة إلى من يدافع عنها.
فالعدالة لا تموت دفعة واحدة، وإنما تذبل حين يُقتل أصحاب الرأي، ويُعاقَب أصحاب الضمائر الحية.
ويبقى السؤال المؤلم معلقاً في وجدان الفلسطينيين؛ ماذا يبقى من الوطن، إذا غابت العدالة، وخفت صوت الحرية، وأصبح أصحاب المواقف الشريفة هم أول من يدفع الثمن؟
وسيظل الفصل التعسفي للقاضي محمود خليف وسام شرف يزين تاريخه، وصفحة مضيئة تُكتب في سجل الشعب الفلسطيني، لأنه اختار أن يكون قاضياً للعدالة لا موظفاً لدى سلطة فاسدة، وأن ينحاز لكرامة الإنسان في زمن باتت فيه الكلمة الحرة مكلفة، والمواقف الشريفة باهظة الثمن.
أما المناصب فزائلة، وأما المواقف النبيلة، فتبقى.
رحل نزار بنات عن الدنيا، وغادر محمود خليف منصة القضاء، لكنهما بقيا شاهدين على زمن عوقبت فيه الكلمة، ودُفع ثمن الكرامة غالياً.
وسيذكر الشعب الفلسطيني طويلاً أن نزار بنات قال كلمته ودفع حياته ثمناً لها، وأن القاضي محمود خليف احترم تلك الكلمة وصان كرامة صاحبها، ثم دفع من مستقبله المهني ثمناً لذلك الموقف.
فالتاريخ لا يخلّد أصحاب السلطة، بل يخلّد أصحاب الضمائر، وما بين الرجلين ستبقى حكاية تختصر وجعاً فلسطينياً عميقاً، عنوانه؛
حين يُصبح العدل نفسه ضحية.



أضف تعليق
قواعد المشاركة