في وداع رحمة يوسف كايد (أم عادل)

منذ 3 ساعات   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

لا يخيفني الموت كثيراً بقدر ما يخيفني موت الشهود.

فالذين يرحلون اليوم ليسوا أفراداً فحسب، بل ذاكراتٌ كاملة. يمضون حاملين معهم أصوات القرى التي مُحيت، ووجوه الذين ابتلعتهم المنافي، وأسماء البيوت التي لم يبقَ منها سوى مفاتيح صدئة، معلقة على جدران الذاكرة.

لم تكن رحمة يوسف كايد (أم عادل) امرأةً فلسطينيةً عاشت النكبة فحسب، بل كانت واحدةً من ذلك الجيل الذي حمل فلسطين في قلبه، وظل يرويها كما عاشها، لا كما دُوِّنت في الكتب. وبرحيلها، تخسر فلسطين شاهداً آخر من شهودها.

الفلسطيني لا يغادر حزنه العام إلى حزنه الخاص؛ بل يحملهما معاً. يحمل وطنه في قلبه، ووجوه أحبته في ذاكرته، ويمضي في حياته وهو ينتظر اليوم الذي يعود فيه إلى الأرض التي سُلبت منه، وإلى البيوت التي بقيت عامرة في الروح، وإن غاب أهلها.

ما أقسى أن تودّع إنساناً تحبه في غربة الليل، من دون وداعٍ حقيقي، أو مصافحةٍ أخيرة، أو كلمةٍ أخيرة. يصبح الدمعُ لغة الرحيل، وتغفو العين، فيما يبقى القلب معلقاً بصورةٍ ترفض أن تغيب.

نحن نعيش في عالمٍ صلدٍ يكاد يطبق علينا حتى الاختناق، يعصر أحلامنا وذكرياتنا، ولا يترك لنا سوى أن نقاوم، وأن نحرس ما تبقى من حكاياتنا.

ما أقسى أن تنطفئ الأصوات صوتاً بعد صوت، وأن يلف الضباب بالحزن البيوت وساكنيها، وأن تتحول الأرض التي مشينا عليها إلى غيمةٍ من الشوق والدموع، متبخرةٍ من دمائنا، ومن صور السنوات الماضية، وشظايا الذاكرة.

وما أقسى أن تتحول الذكريات إلى رمادٍ تذروه رياح القهر، وأن يصبح الإنسان غريباً عن الأماكن التي احتضنت عمره، يبحث عن وطنٍ ضائع، أو حلمٍ طال انتظاره.

اليوم انطفأ ذلك الألق الذي كان يملأ البيت.

تبدلت الوجوه، وخفتت حركة الأقدام في باحته برحيل رحمة يوسف كايد (أم عادل)، ابنة النكبة من طيرة حيفا في فلسطين المحتلة، المرأة التي حملت في ذاكرتها تاريخ شعبٍ بأكمله، رحلت شاهدةً من دون أن تُسجَّل شهادتها، ومن دون أن يُوثَّق ما رأته عيناها خلال عقودٍ من الألم والصمود.

رحلت رحمة في مدينة مالمو، جنوب السويد، صباح الأربعاء 22 تموز/

2026، ودُفنت بعيداً عن فلسطين، بعيداً عن طيرة حيفا التي بقيت تسكن قلبها حتى آخر لحظة.

وما أقسى أن يموت الإنسان بعيداً عن وطنه، وهو يحمل في داخله تاريخ المكان، وأسماء الناس، ورائحة البيوت القديمة. كانت رحمة خزاناً للحكايات؛ تحمل فلسطين كما عرفتها من أهلها، وتحمل طيرة حيفا ببياراتها وبيوتها وذكرياتها، كما تحمل وجع المخيمات في لبنان.

حدثتني كثيراً عن فلسطين، وعن النكبة، وعن طيرة حيفا التي لم تغادر روحها، وعن حرب المخيمات، ومخيم شاتيلا، وسنوات الحرب والاقتلاع. كانت حكاياتها تعلق في الذاكرة كالوشم، لأنها لم تكن روايات تُحكى، بل شهادة امرأةٍ عاشت التاريخ ولم تتلقه من الكتب.

كانت نموذجاً للمرأة الفلسطينية الكادحة والمناضلة، تعتز بانتمائها إلى شعبٍ قدّم التضحيات، وحمل وطنه في المنافي والمخيمات، وظل متمسكاً بحقه في العودة.

منذ أيامٍ قليلة، زرتها زيارةً وداعية. كنت أعلم أنها ستكون الأخيرة، وأن الصمت سيكون آخر ما يجمعنا. لم تستقبلني كما اعتادت، ولم تودعني كما عرفتُها دائماً. بدا وكأن شيئاً قد انطفأ قبل الرحيل، وأن اللقاء الأخير مرّ بهدوءٍ يشبه الغياب.

عاشت اجتياح عام 1982 بكل تفاصيله، ونجت من الموت. وعاشت حرب المخيمات في شاتيلا، وسنوات الحرب الداخلية في لبنان، ونجت مراتٍ كثيرة من موتٍ محقق. لكنها، في النهاية، رحلت بعيداً في جنوب السويد، بعد عمرٍ طويل من التعب والانتظار.

كانت حياتها ممتلئةً بالحزن، لكنها لم تفقد يوماً أمل العودة إلى فلسطين. لم تكن تخشى الموت، فقد تعلمت أمهاتنا أن الموت ليس أكثر ما يرعب الإنسان، بل أن يرحل بصمت، في عالمٍ ينام على صوت المدافع ويستيقظ على هدير الدبابات.

رحلت رحمة كايد، ولم تمسك بطائرها الوردي، طائر العودة إلى طيرة حيفا. رحلت، وبقي الوطن في قلبها، وبقيت الحكاية أمانةً في قلوب من عرفوها.

لهذا، فإن موت الشهود ليس حدثاً عائلياً، ولا خبراً عابراً في سجل الوفيات.

إنه خسارة وطن.

سلامٌ عليكِ يا ابنة طيرة حيفا.

سلامٌ على قلبٍ ظل يحمل مفتاح العودة حتى آخر نبضة.

وسلامٌ على امرأةٍ نجت من الحروب، ولم تنجُ من المنفى.

أما نحن...

فلم يبقَ لنا إلا أن نحرس الحكاية، قبل أن تموت هي الأخرى.

مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

في وداع رحمة يوسف كايد (أم عادل)

لا يخيفني الموت كثيراً بقدر ما يخيفني موت الشهود. فالذين يرحلون اليوم ليسوا أفراداً فحسب، بل ذاكراتٌ كاملة. يمضون حاملين معهم أ… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون