أحمد الياباني... حين يموت الحلم قبل أن يموت أصحابه
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.رحل كوزو أوكاموتو... أحمد الياباني، آخر الناجين من منفذي عملية مطار اللد عام 1972.
لم يرحل رجلٌ فحسب، بل رحل آخر الشهود على زمنٍ كانت فيه فلسطين قادرةً على أن تستدعي إليها أحرار العالم، فيتركون أوطانهم طوعاً، ويحملون أرواحهم على أكفّهم، إيماناً بأن الظلم عدوّ الإنسانية، وأن الحرية لا تُقاس بجنسية المناضلين، بل بصدق انحيازهم إليها.
لم يكن فلسطينياً، لكنه اختار أن يكون واحداً من أبناء فلسطين بالمعنى الأكثر نبلاً؛ يوم كانت القضية أكبر من الحدود، وأكبر من الهويات، وأكبر من الحسابات السياسية الضيقة.
ثم دار الزمن دورته...
رحل الرفاق واحداً تلو الآخر، وبقي الناجي الوحيد يحمل ذاكرة جيلٍ كامل؛ جيلٍ آمن بأن الدم الذي يُبذل في سبيل الحرية لا بد أن يُثمر حريةً، وأن الشهداء لا يرحلون إلا ليقترب الوطن خطوةً من الخلاص.
غير أن التاريخ لا يكافئ دائماً أكثر المؤمنين به.
ولعل أشدّ ما يؤلم أصحاب الأحلام الكبرى ليس قسوة العدو وحدها، بل خذلان القريب أيضاً؛ حين يتحول بعض من حملوا راية الثورة إلى جزءٍ من مأساة الثورة، وحين تنقلب البوصلة من مقاومة الاحتلال إلى البحث عن المصالح، فتُفرَّغ التضحيات من معناها، ويُختزل حلم التحرير في أدوارٍ تخدم واقعاً فرضه الاحتلال، بدلاً من السعي إلى تغييره.
فبين البدايات التي كُتبت بالدم، والنهايات التي أثقلتها الحسابات السياسية، تبدلت الشعارات، واختلطت المبادئ بالمصالح، وتراجع الحلم الكبير حتى بدا، في نظر كثيرين، وكأنه أُفرغ من مضمونه. وغدا المشهد أقرب إلى إدارة حياة شعبٍ تحت الاحتلال منه إلى العمل على إنهائه.
وما أقسى أن يطول العمر بمناضلٍ حتى يرى أحلامه تشيخ أمام عينيه.
أن يرى رفاقاً مضوا وهم يظنون أنهم يفتحون بوابة الحرية، بينما تذرو الرياح كثيراً مما ضحّوا من أجله، وأن يشهد زمناً يرتقي فيه إلى الواجهة من لم يحملوا أعباء البدايات، فيما يغيب الذين كتبوا الصفحات الأولى بدمائهم.
إن الحزن اليوم لا يليق برجلٍ واحد، بل بجيلٍ كامل.
جيلٌ كانت فيه الكرامة تسبق المكاسب، وكانت التضحية أسمى من الامتياز، وكانت فلسطين وعداً بالتحرير، لا عنواناً لإدارة أزمةٍ مفتوحة على الألم.
لقد رحل أحمد الياباني، لكن رحيله يوقظ سؤالاً: ماذا لو عاد الذين غابوا منذ عقود، ورأوا ما آلت إليه أحلامهم؟ ماذا سيقول الشهداء وهم يشاهدون الطريق الذي مهدوه بدمائهم، وقد أثقلته الانقسامات، واستنزفته الخيبات، وأرهقته سنوات الانتظار؟
ربما لن يسألوا لماذا تأخر النصر؛ فالتاريخ يعرف أن الشعوب قد تنتظر طويلاً. لكنهم قد يتساءلون: كيف ضاع شيءٌ من المعنى الذي خرجوا من أجله؟ وكيف تحول الحلم الذي جمع الأحرار من أنحاء العالم إلى واقعٍ تثقله الانقسامات، وتنازعه الحسابات، وتستنزفه الأزمات؟
سلامٌ على أحمد الياباني...
وسلامٌ على كل الذين مضوا وهم يؤمنون أن تضحياتهم ستقود إلى وطنٍ حر، فإذا بالأجيال اللاحقة ترث، إلى جانب الحلم، عبء الخذلان أيضاً.
يبقى الرجال في نهاية المطاف، أوفياء للمبادئ التي عاشوا من أجلها، أما الأزمنة فتتبدل، وتبقى وحدها الذاكرة شاهدةً على المسافة المؤلمة بين الحلم الأول... والواقع الأخير.



أضف تعليق
قواعد المشاركة