محمود الباشا... شاعرُ المخيّم الذي حمل فلسطين في صوته
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.شهادة وفاء لرجلٍ وقف مع صديقه، وعاش فلسطين قصيدةً لا تنتهي.
لا أعلم على وجه اليقين في أيِّ تاريخٍ التقينا للمرة الأولى، لكنني أعرف أن زواريب مخيم شاتيلا هي التي جمعتنا. هناك، في الأزقة الضيقة التي كانت تتسع للفقراء أكثر مما تتسع لهم الدنيا، بدأت حكاية صداقة لم تصنعها المصالح، بل صنعتها الهموم المشتركة والإيمان بفلسطين.
جمعتنا ليالي المخيم ونهاراته، وجمعتنا هموم الناس البسطاء الذين كانوا يحملون أثقال الحياة بكرامة، رغم أن الحياة لم تمنحهم إلا القليل.
هناك عرفت محمود الباشا.
شابّاً فلسطينيّاً من يافا، لاجئاً في لبنان، يحمل وطناً كاملاً في قلبه، ويخفي خلف ابتسامته ما يكفي من الأحزان لكتابة عمرٍ كامل.
منحه الله صوتاً جميلاً، ووهبه موهبة الشعر. لم يكن أسيرَ علم العَروض، ولم يكن يبحث عن اعترافٍ من أحد؛ لأن الشعر عنده لم يكن قواعد وأوزاناً فقط، بل كان إحساساً صادقاً يخرج من القلب. كان ينظم الشعر بالفطرة، ويلقيه بصوتٍ مميز يجعل الكلمات أقرب إلى الذاكرة والحنين.
كان، وما زال، شاعرَ المخيم بلا منازع؛ لأن قصيدته لم تكن بعيدة عن الناس، بل كانت تحمل وجعهم وأحلامهم وحنينهم إلى الوطن.
أما فلسطين، فلم تكن مجرد موضوع يكتب عنه، بل كانت عشقه الوحيد. حملها في صوته، وفي قصائده، وفي كل تفاصيل حياته. كانت وطناً يسكنه قبل أن يسكن هو في المنافي.
ولعل أجمل ما يجسد علاقة محمود الباشا بفلسطين هذه الأبيات التي خرجت من قلبه شاعراً:
أُحِبُّكِ، أُحِبُّكِ كما الأثرياءُ يُحِبُّونَ التَّرَفَ،
أُحِبُّكِ كما يَأكُلُ الفقيرُ الخُبزَ بِشَغَف.
أُحِبُّكِ كنحّاتٍ يُبدِعُ في نَحتِ التُّحَف،
أُحِبُّكِ كالموسيقارِ يُداعِبُ الأوتارَ بالعَزف.
لم تكن فلسطين عند محمود الباشا ذكرى بعيدة، بل كانت حياةً كاملةً تسكن روحه، يراها في كل ما حوله، ويمنحها حضوره في كل قصيدة.
ويقول:
أُحِبُّكِ كالصّاعقِ إنْ على الأرضِ قَصَف،
أُحِبُّكِ كالقمرِ لوِ اكْتَمَلَ، ولو خُسِف.
أُحِبُّكِ كالتِّينِ يَطرَحُ الثِّمارَ ولو عَجِف.
وهكذا بدت فلسطين في شعره؛ أمّاً وحبيبةً وذاكرةً لا تغيب، حتى اختصر كل هذا العشق بقوله:
أُحِبُّكِ... أُحِبُّكِ جدّاً يا فلسطين،
أُحِبُّكِ، وكلَّ يومٍ أعترف.
هذه الكلمات تختصر حكاية محمود الباشا؛ رجلٌ لم يكتب عن فلسطين فقط، بل عشقها حتى أصبحت جزءاً من روحه.
أعترف اليوم أن صداقتي كلّفته ما لم يكن مضطرّاً إلى تحمّله. فقد كان قربه مني سبباً في تعرضه لمتاعب وضغوط كبيرة. كلما رفعت صوتي في مواجهة المنظومة الفاسدة داخل مخيم شاتيلا، كانت الضغوط تزداد عليه؛ لأنه اختار أن يقف إلى جانبي، وألّا يتخلى عن صداقة يؤمن بها.
كان يعرف أن موقفه قد يعرّضه للخطر، وأن وقوفه إلى جانبي قد يكلّفه الكثير، لكنه لم يتراجع. كان يستطيع أن يبتعد، وأن يقول: لا علاقة لي، وأن يحمي نفسه بالصمت، لكنه اختار طريقاً آخر.
اختار الوفاء.
اختار أن يقف مع الإنسان قبل الحسابات، ومع الحق قبل الخوف.
واجه كل ما تعرض له بحكمة وصمت، ولم يبحث عن بطولة أو مدح. كان يرى أن الوقوف إلى جانب صديقه موقف طبيعي، وأن الكرامة لا تتجزأ.
وهنا تظهر معادن الرجال؛ فهناك من يكون شجاعاً عندما لا يدفع ثمناً، وهناك من يثبت شجاعته عندما يصبح الثمن غالياً.
ومحمود الباشا كان من النوع الثاني.
وكلما التقينا كان يضحك طويلاً. كانت ضحكته تخفي تعب السنين، لكنها كانت أيضاً إعلاناً عن انتصار الإنسان على القهر.
ما زلت أذكر، وسأبقى أذكر ما حييت، تلك الأيام التي كنا نجلس فيها أمام محلِّ عيسى الحاج (أبو صلاح)، على قارعة الطريق في مخيم شاتيلا.
كان محمود يبدأ الحديث عن فلسطين في مناسبة ومن دون مناسبة. لم يكن يحتاج إلى مقدمة، ولم يكن يبحث عن جمهور؛ لأن فلسطين كانت دائماً حاضرة في كلامه، تسكن صوته وتسبق كلماته.
كان يتحدث عنها بحبِّ العاشق، وحنينِ اللاجئ، ووفاءِ ابن يافا الذي لم تغادره مدينته يوماً.
وكان الجميع يستمعون إليه.
لم يكن الناس يستمعون إلى شاعر فحسب، بل إلى ذاكرةٍ تمشي على قدمين، تحمل وجع الوطن وحلمه في آنٍ واحد. كان محمود، في تلك اللحظات البسيطة أمام محلِّ عيسى الحاج (أبو صلاح)، يحوّل قارعة الطريق إلى منبرٍ لفلسطين، ويحوّل جلسة المخيم العادية إلى مساحة من الحنين والانتماء.
تلك الصور الصغيرة هي التي تبقى في الذاكرة؛ لأن الرجال الحقيقيين لا تُخلّدهم المنابر الكبيرة، بل تُخلّدهم الأماكن البسيطة التي تركوا فيها أثراً لا يُنسى.
محمود الباشا ليس من أولئك الذين تتصدر صورهم الصحف، ولا ممن تتسابق الفضائيات إلى ذكر أسمائهم. أبناء المخيمات والفقراء لا يملكون منابر تحفظ سيرتهم، رغم أنهم يحملون من النبل والشهامة والكرامة ما لا تحمله كتب كثيرة.
فمن يحمل عبء الذاكرة؟
ومن يكتب سيرة الذين لم تُكتب أسماؤهم في بطون الكتب؟
أولئك الذين وزعوا أعمارهم على الناس، ومنحوا الآخرين من أرواحهم، وتركوا آثاراً عميقة تدل على حضورهم، حتى لو لم تحمل الكتب أسماءهم.
أكتب عن محمود الباشا اليوم، لا لأنه رحل، بل لأنني أخشى أن يأتي يومٌ أكتشف فيه أنني تأخرت كثيراً في قول ما يستحق أن يُقال في حقه.
فالرجال الحقيقيون لا يحتاجون إلى جنازات عظيمة، بل يحتاجون إلى كلمة وفاء وهم ما زالوا يسمعونها.
لهذا أكتب عنه اليوم، وهو ما زال بيننا؛ لأن بعض الرجال لا نعرف قيمتهم إلا بعد أن تسرقهم الأيام منا.
لم يكن محمود الباشا شاعر المخيم فحسب، بل كان شاهداً على زمنٍ كان فيه الوفاء موقفاً، والصداقة مسؤولية، والكلمة الحرة ثمنها غالٍ.
وحين تُكتب يوماً ذاكرة مخيم شاتيلا الحقيقية، لن تكون فقط ذاكرة الألم واللجوء، بل ذاكرة الرجال الذين وقفوا في وجه الخوف.
وسيكون اسم محمود الباشا واحداً من تلك الأسماء التي بقيت واقفةً حين كان الوقوف مكلفاً.
فبعض الرجال لا يتركون وراءهم مناصب ولا ألقاباً، بل يتركون أثراً في القلوب، والأثر الصادق... لا يموت.



أضف تعليق
قواعد المشاركة