غزة... حين سقطت الأقنعة

منذ أسبوعين   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

امتحان الضمير الإنساني في زمن الحرب والخذلان

تُروى روايةٌ عن سقوط طليطلة بعد حصارٍ طويل، تقول إن الإسبان سألوا أهلها بعد الاستسلام؛ كيف صبرتم كل هذه الأشهر؟ فأجابوا: كنا ننتظر المدد من ملوك الطوائف. فجاءهم الرد القاسي: لكن ملوك الطوائف كانوا معنا في حصاركم.

وسواء ثبتت هذه الرواية تاريخياً أم بقيت في حدود المأثور الشعبي، فإنها تختصر واحدةً من أكثر الحقائق إيلاماً في تاريخ الأمم؛ فالهزيمة لا تصنعها قوة العدو وحدها، بل يصنعها أيضاً خذلان القريب، وصمت الأخ، وانهيار معنى التضامن ساعة الامتحان.

بعد قرون، تقف غزة أمام مشهدٍ يكاد يعيد التاريخ بصورٍ أكثر قسوة.

لم تكشف غزة وحشية الاحتلال، فهذه الحقيقة يعرفها العالم منذ عقود، لكنها كشفت حجم النفاق الذي أحاط بالقضية الفلسطينية، وحجم الشعارات التي كانت تُرفع في المؤتمرات والمنابر، ثم تتبخر عندما يحين موعد الفعل.

منذ أيام، تحدثت مطولاً مع صديقٍ يعيش في قطاع غزة. لم يكن حديثنا عن السياسة، بل عن الناس، وعن الجوع، وعن الخوف، وعن حياةٍ أصبحت تُقاس بالساعات لا بالأيام.

قال لي: "في بداية الحرب كان الخط الأصفر بعيداً عن مكان سكني، لكنه يقترب كل يوم، خطوةً بعد خطوة. أخشى أن أنام هذه الليلة، فأستيقظ غداً لأجد الخط الأصفر قد وصل إلى نافذة بيتي."

أغلقت الهاتف، لكن صوته بقي يرن في أذني. أدركت أن الخوف في غزة لم يعد من القصف وحده، بل من خريطةٍ تتغير كل يوم، ومن خطٍ أصفر يلتهم ما تبقى من الأرض، ويضيق على الناس حتى يكاد يطرق نوافذ بيوتهم.

أيُّ حياةٍ هذه التي ينام فيها الإنسان وهو لا يعلم إن كانت المسافة بينه وبين التهجير ستختصر مع شروق اليوم التالي؟

منذ نكبة عام 1948، وعلى مدى أكثر من سبعة عقود، والقضية الفلسطينية حاضرة في الخطب والبيانات والقمم والشعارات، لكن عندما تعرضت غزة لواحدة من أكثر الحروب دمويةً في العقود الأخيرة، سقطت الأقنعة واحداً تلو الآخر، وانكشف الفرق بين من يحمل فلسطين في ضميره، ومن يحملها في خطاباته فقط.

في غزة لم تُقصف البيوت وحدها، بل قُصفت الثقة أيضاً. ولم تُهدم المدارس والمستشفيات والمساجد فحسب، بل تهدمت أوهامٌ كثيرة كانت تعيش في وجدان الناس عن أمةٍ لن تتركهم وحدهم، وعن عالمٍ لا يزال يؤمن بشيء اسمه العدالة.

أطفالٌ يموتون جوعاً، وعائلاتٌ تُباد، وأحياءٌ تُمحى من الخرائط، فيما يقف العالم متفرجاً، ويكتفي كثيرون ببيانات الشجب والإدانة، وكأن الكلمات تستطيع أن توقف الطائرات أو تعيد الحياة إلى من رحلوا.

لقد أصبحت غزة مرآةً أخلاقية للعالم. من نظر فيها رأى نفسه كما هو، بلا أقنعة ولا شعارات. رأى من انتصر للإنسان، ورأى من خذله، ورأى من آثر الصمت حين كان الصمت شراكةً في الجريمة.

قد تنتهي الحروب يوماً، وقد تتغير الموازين، لكن التاريخ لا ينسى. فهو لا يكتب أسماء المنتصرين وحدهم، بل يكتب أيضاً أسماء الذين خذلوا، والذين صمتوا، والذين تاجروا بآلام الشعوب، ثم اختفوا ساعة الامتحان.

لقد خسر كثيرون امتحان الضمير، لكن غزة، رغم الجراح، بقيت شاهدةً على أن الكرامة قد تُحاصر، لكنها لا تُهزم.

غزة لم تسقط الأقنعة عن الاحتلال، فالاحتلال لم يكن يوماً يخفي وجهه الحقيقي، لكنها أسقطت الأقنعة عن كثيرين ممن ادعوا نصرة فلسطين، فإذا بهم يغيبون عندما احتاجتهم فلسطين أكثر من أي وقتٍ مضى.

وربما يستيقظ صديقي غداً ليجد الخط الأصفر عند نافذة بيته، لكن الأخطر أن تستيقظ أجيالٌ كاملة لتكتشف أن الخط الفاصل لم يكن على خرائط غزة وحدها، بل كان بين الضمير الإنساني وما بقي منه.

 

 


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

الخيمة التي خرجت من الغبار... حكاية رجل حفظ بداية ناجي العلي دون أن يعرف(2-2)

في الليلة التي عثرت فيها على رسمة الخيمة، لم أكن أعرف أنني لم أعثر فقط على الرسمة التي بحثت عنها سنوات، بل كنت على وشك اكتشاف تفاص… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون