إِلى أين؟... من دُرُوبِ النّكبة إِلى حُلمِ العودة

منذ شهر   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

ليست لوحة «إلى أين؟» للفنان الفلسطيني الراحل إسماعيل شموط مجرد عمل فني، بل هي صرخة خرجت من قلب النكبة، ورثاءٌ صامت لشعبٍ اقتُلع من أرضه وحُمِل إلى المجهول. إنها لوحة لا تُرى بالعين وحدها، بل تُقرأ بالذاكرة، وتُفهم بدموع الذين عاشوا مرارة اللجوء وفقدان الوطن.

رسم إسماعيل شموط هذه اللوحة عام 1953، بعد أن عاش بنفسه تجربة النزوح من مدينة اللد عام 1948. لم يكن يرسم من الخيال، بل من الألم. كانت ريشته تحمل ذاكرة شعبٍ بأكمله، وكانت ألوانه تمتزج بتراب القرى التي أُجبر أهلها على الرحيل.

في قلب اللوحة يقف رجلٌ فلسطيني مسن، يحمل طفلاً على كتفيه، ويمسك بيد طفلٍ آخر، بينما يسير طفلٌ ثالث خلفه. يبدو وجه الأب متعباً، لكنه لا ينحني، وعيناه لا تنظران إلى الأرض، بل إلى الأفق البعيد، وكأنهما تبحثان عن إجابة لسؤالٍ لن يجد له جواباً: إلى أين؟

إنه ليس سؤال طريق، بل سؤال وطن. إلى أين يذهب الإنسان حين تُسرق أرضه؟ إلى أين يأخذ أبناءه وقد أُغلقت في وجهه الأبواب؟ إلى أي خيمة؟ إلى أي مخيم؟ إلى أي منفى؟

وتتحدث الشجرة اليابسة في خلفية اللوحة بصمتٍ أبلغ من الكلمات. فقدت أوراقها كما فقد الفلسطيني بيته، وبقيت واقفةً شاهدةً على جريمة الاقتلاع. أما القرية البعيدة، فتبدو كحلمٍ يبتعد كلما امتدت إليه الخطى، لكنها لا تغيب عن الذاكرة.

تمثل لوحة «إلى أين؟» محطة مهمة في مسيرة الفن التشكيلي الفلسطيني، فقد استطاع إسماعيل شموط أن يحوّل المعاناة الإنسانية إلى لغة بصرية مؤثرة. واعتمد في تكوينه على البساطة والوضوح، فجعل الشخصيات في مقدمة المشهد لتحتل مساحة الذاكرة، واستخدم الألوان الترابية الهادئة ليعكس قسوة الرحيل وثقل المنفى.

لم تكن لوحاته مجرد تسجيل لحدث تاريخي، بل كانت محاولة لحفظ الهوية الفلسطينية عبر الفن، حيث تحولت الريشة إلى وسيلة للمقاومة الثقافية، تحفظ تفاصيل المكان والإنسان والحكاية من خطر النسيان. وقد أسس شموط، من خلال أعماله، أسلوباً فنياً ارتبط بالذاكرة الوطنية الفلسطينية، وجعل من اللوحة وثيقةً إنسانية تحمل جمال الفن ووجع التاريخ في آنٍ واحد.

ولم يكن إسماعيل شموط يرسم أسرةً واحدة، بل كان يرسم شعباً كاملاً. فالأب هو رمز للشعب الفلسطيني، والأطفال هم الأجيال التي وُلدت على دروب اللجوء، تحمل الوطن في الذاكرة قبل أن تراه في الواقع.

ومن المؤلم أن عنوان اللوحة ليس «الرحيل» ولا «اللاجئون»، بل سؤالٌ مفتوح: «إلى أين؟». سؤالٌ ظل يتردد في قلوب ملايين الفلسطينيين منذ عام 1948، وما زال صداه يتردد حتى يومنا هذا.

ثم عاد شموط بعد ذلك، فرسم لوحته الشهيرة «سنعود»، وكأنه أراد أن يجيب بنفسه عن السؤال الذي طرحه في «إلى أين؟». فإذا كانت «إلى أين؟» تُجسد لحظة الضياع، فإن «سنعود» تُجسد لحظة الأمل، وكأن الفنان يقول إن الطريق قد يطول، لكن نهايته ستكون العودة.

واليوم، ونحن نستذكر إسماعيل شموط، فإننا لا نستذكر رساماً فحسب، بل نستذكر واحداً من كبار الفنانين الفلسطينيين الذين حفظوا الذاكرة الوطنية بريشتهم، كما حفظها المناضلون بتضحياتهم. لقد أدرك أن اللوحة قد تكون أبلغ من الخطب، وأن اللون قد ينتصر على النسيان.

رحل إسماعيل شموط، لكن لوحاته لم ترحل. بقيت شاهدةً على النكبة، وعلى ألم اللاجئين، وعلى الحلم الذي لم يمت. وستظل لوحة «إلى أين؟» تطرح سؤالها على ضمير العالم: كيف يمكن لإنسان أن يُقتلع من وطنه، ثم يُطلب منه أن ينسى؟

وفي امتداد هذه الذاكرة التي لم تنكسر، نستحضر كلمات الشهيد نزار بنات، الذي أدرك أن طريق الحرية لا ينفصل عن تضحيات الأحرار، فقال:

«تعازينا لهذه الأمة العظيمة باستشهاد عظمائها، ومعاً وسويّاً حتى تحرير الأرض والإنسان.»

رحم الله إسماعيل شموط، ورحم الشهيد نزار بنات، ورحم كل من حمل فلسطين في قلبه وريشته وقلمه. فالعظماء لا يرحلون حقاً، بل يبقون أحياءً في ذاكرة الشعوب، وفي كل عملٍ تركوه شاهداً على الحقيقة، حتى يأتي اليوم الذي تتحول فيه عبارة «سنعود» من لوحةٍ إلى واقع، ويعود الحق إلى أصحابه، ويعود الإنسان الفلسطيني إلى وطنه.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

كيف يُمثَّل شعبٌ عظيمٌ بهذا الهُزال؟

في لبنان، تبدأ الحكاية قبل الانتخابات بأسابيع أو أشهر. تبدأ الصولات والجولات، وتُفتح أبواب البيوت، وتكثر الزيارات للقرى والبلدا… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون