حين تنادي الجبال أبناءها… ولا يعودون
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.أهمّ ما يمكن أن نفعله اليوم، وسط هذا الحزن الفلسطيني الطويل، هو ألّا نسمح لذاكرة فلسطين أن تضيع.
فلسطين ليست مجرد حدود على خريطة، ولا قضية سياسية تُستعاد في الخطب والبيانات، ولا صورة قديمة نعلّقها على جدار الذاكرة. فلسطين هي الأرض التي حملت أسماءنا، والقرى التي بقيت في وجداننا وإن مُسحت من الخرائط، والبيوت التي ما زالت مفاتيحها معلّقة في صدور من رحلوا ولم يعودوا.
هي جبل الجرمق، وجبال الجليل، وسهول فلسطين ووديانها، وأشجار الزيتون التي تعرف أصحابها حتى بعد أن يغيبوا.
هناك في الجليل، لم تكن الأرض مجرد تراب. كانت حياةً كاملة: بيتاً، وحقلاً، وكنيسةً ومسجداً، ومدرسةً، وذاكرةَ أجداد، وحكاياتٍ تُروى للأطفال كي يعرفوا من أين جاءوا وإلى أين يجب أن يعودوا.
ومن أجل ذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لفلسطين ليس فقط أن تُحتل أرضها، بل أن تُنتزع فلسطين من الذاكرة.
أن ينسى أبناؤها أسماء قراهم، أن تتحول النكبة إلى سطر في كتاب التاريخ، أن يصبح الجرمق مجرد جبل، والجليل مجرد منطقة جغرافية، والقرية التي هُجّر أهلها مجرد اسم قديم لا يعرفه أحد.
فلسطين تبقى ما بقيت ذاكرتها حيّة، وتبقى ما بقي في أبنائها ذلك الإصرار على النضال والصمود، وعلى العلم والفكر والثقافة، وعلى الدفاع عن الأرض بالكلمة والكتاب والصورة والمدرسة والجامعة، وبكل وسيلة تحفظ للإنسان الفلسطيني حقه في أن يكون صاحب روايته وتاريخه.
لقد حاول الاحتلال، طوال عقود، أن يقتلع الإنسان من أرضه، وأن يقطع الصلة بين الفلسطيني ومكانه. لكن الذاكرة كانت أقوى من الاقتلاع.
كان الجد يحكي للحفيد عن القرية، وكان الأب يعلّم ابنه اسم الحقل، وكانت الأم تحفظ أسماء البيوت والينابيع والطرقات.
وهكذا انتقلت فلسطين من جيل إلى جيل، لا باعتبارها حكايةً من الماضي، وإنما باعتبارها وعداً لا يموت.
لكن الحزن الأكبر أن القضية الفلسطينية لم تكن دائماً مهددة من الخارج وحده.
لقد عرف تاريخنا، وما زال يعرف، محاولات مؤلمة لتدمير القضية من الداخل؛ حين يتحول الاختلاف السياسي إلى اقتتال، وحين يتحول الفكر إلى تعصّب، وحين تصبح المصلحة الشخصية أو الفئوية أهم من فلسطين، وحين ينسى البعض أن الاحتلال هو العدو، وأن الفلسطينيين، مهما اختلفوا، أصحاب قضية واحدة وجرح واحد وذاكرة واحدة.
تخسر القضايا العادلة الكثير حين يتسلّل إليها الانحراف الفكري والسياسي، وحين يصبح بعض أبنائها أدواتٍ في مشاريع لا تخدم فلسطين، بل تستنزفها وتمزق مجتمعها وتقتل قدرتها على المقاومة.
ليس المطلوب أن نتفق في كل شيء.
الاختلاف حق، والنقد ضرورة، والسياسة مجال واسع للاجتهاد.
لكن هناك فرقاً كبيراً بين الاختلاف الذي يحمي القضية، والخلاف الذي يهدمها.
وبين النقد الذي يصحح المسار، والتآمر الذي يفتح الطريق أمام أعدائها.
فلسطين أكبر من الفصائل، وأكبر من الأشخاص، وأكبر من الأحزاب، وأكبر من الحسابات الضيقة.
فلسطين هي شعبٌ اقتُلع من أرضه، لكنه لم يُقتلع من ذاكرته.
هي أمٌّ ما زالت تنتظر ابناً غاب منذ عقود.
هي عجوز تحمل مفتاح بيت لم يعد موجوداً.
هي طفل يولد بعيداً عن الجليل، ثم يكبر وهو يسأل: أين قريتي؟
هي جبل الجرمق الذي يقف هناك، شامخاً، كأنه يقول لنا إن الجبال لا تنسى أصحابها.
وهي جبال الجليل التي بقيت شاهدةً على أن الأرض يمكن أن تُحتل، لكن لا يمكن بسهولة أن تُنتزع من الوجدان.
لذلك، فإن مسؤوليتنا اليوم ليست فقط أن نتحدث عن فلسطين، بل أن نحفظها، أن نحفظ أسماء القرى، أن نحفظ تاريخ النكبة، أن نوثّق شهادات الكبار قبل أن يرحلوا، أن نكتب، أن نقرأ، أن نعلّم أبناءنا، أن ننتج المعرفة والفكر والثقافة، أن نحول الذاكرة إلى علم، والعلم إلى وعي، والوعي إلى صمود.
فالأمم لا تحمي أوطانها بالسلاح وحده، وإنما تحميها أيضاً بذاكرتها، وبعلمها، وثقافتها، وبقدرتها على معرفة حقيقتها، وعدم السماح للآخرين بكتابتها نيابةً عنها.
ربما يكون أكثر ما يؤلم في فلسطين أن الأجيال الجديدة وُلدت في المنفى، وأن كثيراً منها لم يرَ الأرض التي يتحدث عنها آباؤه.
لكن ما دام هناك فلسطيني يعرف اسم قريته، ويعرف أين تقع، ومن كان يسكنها، وما الذي حدث لأهلها، فإن فلسطين لم تمت.
وما دام هناك طفل فلسطيني يقول: «هذه أرضي»، فإن الحكاية لم تنتهِ، قد يطول الطريق، وقد يشتد الحزن، وقد تتكاثر المؤامرات، من الخارج والداخل، وقد يتعب الفلسطيني من كثرة الانتظار.
لكن الأرض لا تنسى، والجبال لا تنسى، والذاكرة لا تنسى.
وسيظل جبل الجرمق، وستظل جبال الجليل، وكل حجر وكل شجرة وكل قرية فلسطينية، شاهداً على أن شعباً حاولوا اقتلاعه من أرضه، لكنه ظل متمسكاً بها في قلبه وعقله وذاكرته.
فأهم شيء اليوم ألّا تضيع فلسطين من الذاكرة، وألّا نسمح لمن انحرفوا فكرياً وسياسياً أن ينجحوا في تدمير قضيتنا من الداخل.
فحين تضيع الذاكرة، تضيع الطريق، وحين تضيع فلسطين من الوعي، يصبح الاقتلاع كاملاً.
أما إذا بقيت فلسطين في القلب، وفي الكتاب، وفي المدرسة، وفي الثقافة، وفي العلم، وفي وجدان الأجيال، فإن العودة، مهما طال انتظارها، تبقى حلماً حيّاً لا يستطيع أحد أن يقتله.


أضف تعليق
قواعد المشاركة