الخيمة التي خرجت من الغبار... حكاية رجل حفظ بداية ناجي العلي دون أن يعرف(2-2)

منذ 4 أسابيع   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

في الليلة التي عثرت فيها على رسمة الخيمة، لم أكن أعرف أنني لم أعثر فقط على الرسمة التي بحثت عنها سنوات، بل كنت على وشك اكتشاف تفاصيل جديدة في بداية ناجي العلي.

كانت الرسمة أمامي، لكنني بدأت أتفحص ما حولها.

وكانت المفاجأة الأولى أن الخيمة لم تكن منشورة وحدها.

كانت مرفقة بمقال لغسان كنفاني حمل عنوان:

«ينتظر أن نأتي».

وكان المقال منشوراً في مجلة «الحرية»، بتاريخ الاثنين 25 أيلول/سبتمبر 1961.

وهنا شعرت بفرحة لا يمكن وصفها.

فالكتب التي كنت أقرأها كانت تشير إلى تواريخ مختلفة لنشر الرسمة الأولى، بينما كانت الوثيقة الأصلية التي بين يدي تحمل تاريخاً واضحاً وأقدم مما ورد في تلك الكتب.

لكن المفاجأة الأكبر كانت أن غسان كنفاني لم ينشر رسمة واحدة لناجي العلي، كما تكرر في كثير من الكتب.

كان قد نشر أربع رسومات معاً.

أربع رسومات لناجي في تلك البداية المبكرة، وكانت بينها رسمة الخيمة التي أمضيت سنوات أبحث عنها.

في تلك اللحظة، لم تعد الخيمة بالنسبة لي مجرد رسمة قديمة.

صارت وثيقة.

وصارت شاهداً على بداية فنان فلسطيني لم يكن أحد يعرف يومها إلى أين ستقوده ريشته.

كانت خيمة.

لكنها لم تكن مجرد خيمة.

كانت صورة الفلسطيني الذي اقتُلع من أرضه، وحمل خيمته معه، وظل يعيش على وعد العودة.

وفيها شيء من ناجي نفسه؛ ذلك الإنسان الذي سيقضي حياته يرسم المخيم، واللاجئ، والفقر، والقهر، وفلسطين التي بقيت حاضرة في قلبه مهما ابتعدت المسافات.

كنت سعيداً، لكنني عندما فكرت في المكان الذي وجدت فيه الرسمة، أدركت أن المفارقة في هذه الحكاية ربما كانت أجمل من الاكتشاف نفسه.

فالرجل الذي كان يحتفظ بتلك الأعداد القديمة من مجلة «الحرية» كان رجلاً أمياً لا يجيد القراءة والكتابة.

كان يحتفظ بالمجلات والبيانات والكتب لأنها كانت جزءاً من مرحلة عاشها، وجزءاً من ذاكرته.

لم يكن يعرف أن إحدى تلك الصفحات تحمل رسمة ستصبح، بعد سنوات، وثيقة مهمة في تاريخ ناجي العلي.

لم يكن يعرف ماذا تحتوي المجلة.

بينما كنت أنا قد أمضيت سنوات أبحث عنها.

هو احتفظ بها من دون أن يعرف قيمتها، وأنا كنت أبحث عنها وأنا أعرف تماماً ماذا أريد.

وهنا تكمن واحدة من أكثر المفارقات التي بقيت عالقة في ذاكرتي:

الرجل الذي لم يكن يستطيع قراءة كلمة واحدة مما في المجلة، كان يحتفظ بالصفحة التي كنت أبحث عنها في عشرات المكتبات.

كانت الخيمة نائمة تحت الغبار.

وكان الزمن قد غطاها.

لكنها بقيت هناك...

تنتظر.

في الصباح، اتصلت بالأديب الفلسطيني سليمان الشيخ، وأخبرته أنني وجدت ما كنت أبحث عنه.

طلب مني أن أتوجه إلى بيته فوراً.

ذهبت.

وعندما رأى الوثائق، كانت سعادته لا تقل عن سعادتي.

جلسنا أمام الأوراق القديمة، نتأمل تاريخها ورسومات ناجي وكلمات غسان كنفاني.

كنا نشعر أننا أمام باب ظل مغلقاً طويلاً، ثم فُتح فجأة.

صورت الوثائق وحفظت المعلومات، ثم أعدت الكرتونة إلى صاحبها.

وقبل أن أغادر، طلبت منه أن أكتب عنه في الكتاب؛ أن أذكر اسمه، وأن أروي كيف قادتني الصدفة إليه، وكيف وجدت في بيته الكرتونة التي خرجت منها رسمة الخيمة.

لكنه رفض.

طلب مني ألا أذكر اسمه أبداً.

احترمت رغبته.

ولم أذكره.

لكنني لم أنسه.

وعندما صدر كتابي:

«ناجي العلي... من أجل هذا قتلوني»

عن دار بيسان في بيروت عام 2001، كانت رسمة الخيمة قد عادت إلى الظهور.

وكان الكتاب، وفق ما توصلت إليه من خلال بحثي والوثيقة التي عثرت عليها، أول مرجع يعيد نشر رسمة الخيمة بعد نشرها الأول من قبل غسان كنفاني في مجلة «الحرية».

بالنسبة لي، لم تكن إعادة نشرها مجرد إضافة صورة إلى كتاب.

كنت أشعر أنني أعيد إلى الذاكرة شيئاً كان يمكن أن يضيع.

رسمة صغيرة بقيت سنوات طويلة داخل عدد قديم من مجلة، ثم خرجت من الغبار لتعود إلى الناس.

لكن الحكاية لم تنتهِ عند صدور الكتاب.

بعد نحو عامين من صدور كتابي، توفي الرجل الذي حفظ تلك الكرتونة.

توفي فقيراً.

وحيداً.

كما يموت كثيرون ممن مروا في التاريخ دون أن يكتب أحد أسماءهم.

لم يعرف الناس أنه كان يحتفظ في بيته بجزء من بداية ناجي العلي.

ولم يعرفوا أن رجلاً أمياً، لا يجيد القراءة والكتابة، كان يحتفظ، دون أن يدري، بوثيقة ظل باحث مثلي سنوات طويلة يفتش عنها.

مات الرجل، وبقي اسمه مجهولاً.

وأنا احترمت وصيته.

لكن صورته لم تغادر ذاكرتي.

كلما تذكرت رسمة الخيمة، تذكرت ذلك الرجل.

أتذكر السلم الخشبي.

والتتخيتة.

والكرتونة المغطاة بالغبار.

وأتذكر كيف خرجت منها تلك الورقة الصغيرة.

وأفكر أحياناً:

كم من الأشياء المهمة في تاريخنا ضاعت لأن أحداً لم يعرف قيمتها؟

وكم من وثيقة بقيت حية فقط لأن إنساناً بسيطاً قرر أن يحتفظ بها، دون أن يعرف أنها ستصبح يوماً شاهدة على زمن كامل؟

لقد كان الرجل أمياً، لكنه حفظ شيئاً من الذاكرة.

لم يستطع أن يقرأ ما فيها، لكنه احتفظ بها.

وربما كان هذا أكثر ما يؤلمني في الحكاية.

فالرجل الذي ساعدني في العثور على بداية ناجي العلي لم يحصل على شيء.

لا شهرة.

لا مال.

ولا حتى أراد أن يعرف الناس اسمه.

عاش فقيراً ووحيداً.

ومات كما يموت الغرباء.

لكنني أعتقد أن بعض الناس لا يحتاجون إلى أن يعرف العالم أسماءهم.

يكفي أنهم تركوا وراءهم شيئاً لا يموت.

ذلك الرجل ترك كرتونة.

والكرتونة تركت رسمة.

والرسمة تركت لنا بداية الحكاية.

أما ناجي العلي، فقد ترك فلسطين كلها تقريباً في خطوطه السوداء.

ولهذا، كلما عدت بذاكرتي إلى تلك الليلة، لا أتذكر فقط لحظة العثور على الرسمة.

أتذكر إحساسي وأنا أنفض الغبار عن الورقة.

أتذكر المفاجأة.

أتذكر الفرح.

وأتذكر الرجل الذي لم يكن يعرف أن الكرتونة التي احتفظ بها في «التتخيتة» كانت تحمل شيئاً يبحث عنه شخص آخر منذ سنوات.

وربما لهذا أشعر حتى اليوم أنني لم أعثر على رسمة الخيمة وحدها.

لقد عثرت على بداية ناجي العلي.

وعثرت، في الوقت نفسه، على حكاية رجل مجهول حفظ جزءاً من تلك البداية دون أن يعرف.

كانت الخيمة صغيرة.

لكنها حملت حكاية كبيرة.

حكاية اللاجئ.

حكاية فلسطين.

حكاية ناجي.

وحكاية إنسان بسيط عاش ومات بعيداً عن الضوء، لكنه ترك لنا، من حيث لا يدري، نافذة نطل منها على البدايات.

وربما كانت أجمل مفارقة في كل هذه الحكاية أن الرسمة التي لم أجدها في مكتبة، وجدتها في بيت رجل لا يستطيع قراءة ما فيها.

والوثيقة التي عجزت الكتب عن تقديمها، قدمتها لي الصدفة.

والبداية التي ظننت أنني لن أصل إليها، خرجت من كرتونة يغطيها الغبار.

لذلك، عندما أتذكر اليوم رسمة الخيمة، لا أراها مجرد رسمة لناجي العلي.

أراها شاهدة على بداية.

وأرى فيها أيضاً وجه ذلك الرجل الذي رفض أن يُذكر اسمه، ثم رحل بصمت.

رحمه الله.

ورحم الله غسان كنفاني، الذي فتح لناجي العلي، في تلك الصفحات الأولى، باباً إلى العالم.

ورحم الله ناجي العلي، الذي دخل من ذلك الباب، ولم يتوقف عن الرسم حتى آخر نبضة.

أما الخيمة...

فما زالت هناك.

صغيرة على الورق.

كبيرة في الذاكرة.

تنتظر أن نأتي.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

كيف يُمثَّل شعبٌ عظيمٌ بهذا الهُزال؟

في لبنان، تبدأ الحكاية قبل الانتخابات بأسابيع أو أشهر. تبدأ الصولات والجولات، وتُفتح أبواب البيوت، وتكثر الزيارات للقرى والبلدا… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون