طائرة ورقية من غزة تُربك منظومة الاحتلال

منذ شهرين   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

حين تتحول لعبة الأطفال إلى ذاكرةٍ تطارد المستوطنين، تصبح الأشياء الصغيرة أكبر من حجمها.

لم تكن الطائرة الورقية التي ارتفعت من بين ركام غزة تحمل قنبلة، ولا صاروخاً، ولم يكن في خيطها ما يشبه السلاح.

كانت مجرد لعبة طفل: قطعة ورق، وخيط، وعصا صغيرة، صنعها طفلٌ فقد بيته ومدرسته وأصدقاءه، لكنه لم يفقد رغبته في أن يرفع عينيه إلى السماء.

وهنا تكمن المفارقة.

في غزة، حيث تهدمت البيوت، وتراكم الركام فوق الذكريات، وفقد أطفالٌ ألعابهم ودفاترهم وأحلامهم، بقيت أشياء صغيرة تقاوم: قطعة كرتون، وخيط، وعصا رفيعة، وطفلٌ يحاول أن يصنع من الخراب شيئاً يشبه الحياة.

ما أعظم شعباً يستطيع، وسط كل هذا الموت، أن يبحث عن مساحة صغيرة للفرح.

فالطائرة الورقية ليست سلاحاً، لكنها تذكير بأن غزة لم تتحول إلى مقبرة صامتة، وأن الطفل الفلسطيني الذي حُرم من ملعبه ومدرسته وبيته، ما زال قادراً على رفع عينيه إلى السماء.

هم يملكون الطائرات الحربية، والفلسطيني يملك طائرة ورقية.

هم يرسلون الحديد والنار إلى البيوت، والطفل يرسل ورقةً إلى السماء.

ومع ذلك، يمكن لورقة معلقة بخيط أن توقظ الخوف في منظومةٍ اعتادت أن ترى نفسها محصنةً خلف الجدران والأسلاك والسلاح.

ليس لأن اللعبة قوية، بل لأن الخوف قد يجعل الأشياء الصغيرة تبدو أكبر مما هي عليه.

لقد حاول الاحتلال، طوال عقود، أن يزرع الخوف في تفاصيل الحياة الفلسطينية: في الطريق، والمدرسة، والبيت، والشجرة، والمستقبل.

لكن هناك شيئاً لا تستطيع القوة العسكرية مصادرته: القدرة على تحويل الألم إلى معنى.

لهذا تبدو الطائرة الورقية القادمة من بين الركام أكثر من قطعة ورق في السماء.

إنها صورة طفلٍ فقد البيت، لكنه لم يفقد السماء.

وصورة مدينةٍ تُقصف، ثم يخرج من بين حجارتها طفل يبحث عن خيط وورقة، كأنه يقول للعالم:

ما زلنا هنا.

والأشد قسوة أن الرد على هذا المشهد يأتي بالتهديد والتصعيد والتهجير؛ كأن المطلوب ليس فقط إخضاع الإنسان الفلسطيني، بل محو المكان الذي يعيش فيه، والذاكرة التي يحملها، وحتى المساحة الصغيرة التي يحاول أن يصنع فيها شيئاً من طفولته.

لكن التاريخ لا يُكتب دائماً بالأسلحة الثقيلة.

أحياناً تكتبه يد طفل صغيرة، تمسك خيطاً وترفع طائرة ورقية فوق مدينة مدمرة.

فالاحتلال يستطيع أن يهدم بيتاً، ويقتلع شجرة، ويقتل إنساناً؛ لكنه لا يستطيع أن يمنع طفلاً من النظر إلى السماء.

وهنا تكمن قوة المشهد كله:

حين يُنتزع من الإنسان الكثير، يصبح تمسكه بأبسط الأشياء إعلاناً بأنه لم يُهزم.

قد يسقط الركام على البيت، وقد يغيب الأب، وتُفقد الأم، وتُدفن طفولة كاملة تحت الأنقاض.

لكن من بين الحجارة قد تظهر يد صغيرة تحمل ورقةً وخيطاً، وتعيد إلى السماء شيئاً من لونها.

عندها، لا تعود الطائرة الورقية مجرد لعبة.

تصبح شاهداً على طفلٍ كان يريد أن يلعب، فوجد نفسه في مواجهة حرب.

وشاهداً على شعبٍ حاولوا أن يجعلوه يخاف، فبقي قادراً على الحلم.

وشاهداً على أن القوة، مهما بلغت، لا تستطيع أن تنتزع من الإنسان رغبته في الحياة.

من بين الركام، تطير الطائرات الورقية...

ومن بين الخوف، يولد الأمل.

لهذا تحديداً تكتسب ورقةٌ معلقة بخيط كل هذه الدلالة:

أن يبقى الفلسطيني قادراً على أن يحلم، حتى عندما لا يبقى له سوى السماء.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

سمر حمد… أسئلةٌ معلّقة خلف قضبان الاعتقال

بعض الكلمات لا تنتهي بانتهاء الحديث، وبعض الأسئلة تظل مفتوحة في الذاكرة، كأن أصحابها تركوها أمانةً في أعناقنا؛ فلا نملك لها جواباً… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون