جمل المحامل... حين كان الفن يحمل فلسطين

منذ شهرين   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.
رحل الفنان الفلسطيني الكبير سليمان منصور، فرحل واحد من عمالقة الزمن الجميل؛ ذلك الجيل الذي لم يكن يرى الفن ترفاً، ولا الثقافة زينة، ولا اللوحة مجرد ألوان على قماش.
كانوا يرسمون لأن هناك وطناً يخافون عليه من النسيان.
وكان سليمان منصور واحداً من أولئك الذين حملوا فلسطين بالفن، حين لم يكن في اليد سوى الريشة، وفي القلب وطنٌ كامل.
كانت بيوت المخيمات تحتضن لوحته الشهيرة «جمل المحامل». لم تكن لوحةً معلّقة على جدار فحسب، بل كانت تشبه أهل المخيم؛ تشبه الفلسطيني الذي خرج من قريته وبلدته، وحمل ما استطاع من متاع، لكنه ترك خلفه شيئاً لا يمكن حمله بالأيدي: الوطن.
ذلك الرجل الذي يمشي مثقلاً بما يحمل، لم يكن يحمل أمتعته فقط.
كان يحمل بيتاً أُغلق بابه، وحقلاً ينتظر صاحبه، ومفتاحاً توارثته الأجيال، واسم قرية يخشى الفلسطيني أن تضيع من الذاكرة.
كانت فلسطين تمشي على ظهر إنسان.
ولهذا أحبّت المخيمات «جمل المحامل». وجد اللاجئون أنفسهم فيها؛ وجدوا تعب الرحيل، وثقل الغربة، ومرارة الاقتلاع، والأمل الذي ظل حيّاً رغم كل شيء.
كانت اللوحة في بيوت الفقراء، وعلى جدران المخيمات، وفي ذاكرة أجيال لم ترَ القرى التي جاء منها آباؤها، لكنها عرفت أسماءها، وحفظت حكاياتها، وتمسكت بحقها فيها.
واليوم، ونحن نودّع سليمان منصور، لا نودّع فناناً فقط.
نحن نودّع شاهداً من شهود فلسطين.
نودّع رجلاً كان جزءاً من جيل عظيم، جيلٍ عرف كيف يحوّل الألم إلى إبداع، والاقتلاع إلى ذاكرة، والذاكرة إلى مقاومة، والوطن إلى لوحة لا يستطيع أحد محوها.
إنهم عمالقة فلسطين في الزمن الجميل؛ أولئك الذين تركوا وراءهم ما هو أبقى من الكتب واللوحات والأغنيات والكلمات؛ تركوا لنا فلسطين نفسها، محفوظةً في الفن.
رحل سليمان منصور، لكن «جمل المحامل» لن يرحل.
سيبقى الرجل يمشي، مثقلاً بحمل فلسطين، من جيل إلى جيل؛ وسيظل الأطفال الذين لم يروا الوطن يعرفونه من تلك اللوحة، كما عرفه آباؤهم من الحكايات والمفاتيح وصور البيوت القديمة.
وربما كانت أقسى مفارقة في «جمل المحامل» أن الفلسطيني ظل طوال هذه العقود يحمل وطنه على ظهره، بينما كان حلمه الوحيد أن يأتي اليوم الذي يضع فيه هذا الحمل عند عتبة بيته، ويقول: وصلت.
إن كل مبدعي فلسطين الذين رحلوا، وبقيت أعمالهم تقول إن هذا الوطن لم يكن يوماً مجرد مكان؛ كان ذاكرةً، وهويةً، وحكايةً، وحقاً لا يموت.
نفتخر بهم، ونعتز بأن فلسطين أنجبت عمالقةً لم يسمحوا للزمن أن يسرقها من الذاكرة.
رحل الفنان، وبقيت اللوحة، وبقيت فلسطين، وبقي حق العودة.
وما دام الحق حيّاً، فسيبقى «جمل المحامل» يمشي... حتى يصل إلى فلسطين.

 

 

مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

سمر حمد… أسئلةٌ معلّقة خلف قضبان الاعتقال

بعض الكلمات لا تنتهي بانتهاء الحديث، وبعض الأسئلة تظل مفتوحة في الذاكرة، كأن أصحابها تركوها أمانةً في أعناقنا؛ فلا نملك لها جواباً… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون