حين حمل القميص فلسطين
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.كيف حوّل بالستينو الرقم «1» إلى رمز؟
في كرة القدم، قد يكون القميص مجرد زيّ يرتديه اللاعبون داخل الملعب، وقد يكون الرقم مجرد وسيلة لتمييز لاعب عن آخر، لكن في حالة نادي بالستينو التشيلي، لم يكن الأمر كذلك. ففي عام 2014، تحوّل رقم على قميص كرة قدم إلى قضية سياسية، بعدما قرر النادي استبدال الرقم «1» على قمصان لاعبيه بخريطة فلسطين التاريخية.
لم يكن القرار مجرد تعديل في التصميم، بل حمل دلالة سياسية واضحة، سرعان ما أثارت جدلاً واسعاً في تشيلي.
وخلال أيام من ظهور القميص، انهالت الاعتراضات من منظمات صهيونية ويهودية في البلاد، التي اعتبرت أن استخدام خريطة فلسطين يحمل دلالات سياسية ودينية. وتصاعدت القضية إلى أن تدخل الاتحاد التشيلي لكرة القدم، الذي فرض غرامة على نادي بالستينو، وأجبره على إزالة الخريطة من تصميم الأرقام.
لكن النادي لم يتخلَّ عن رمزه.
وبدلاً من حذف فلسطين من القميص، أعاد بالستينو تصميمه بطريقة أخرى. ظهرت خريطة فلسطين باللون الذهبي على صدر القميص، فيما وُضعت خرائط أصغر على الأكمام، ليؤكد النادي من جديد أن الخريطة بالنسبة إليه ليست مجرد عنصر زخرفي أو شعار تسويقي، وإنما جزء من هوية راسخة تعود إلى تاريخ النادي نفسه.
تعود قصة نادي بالستينو إلى عام 1920، عندما أسسه مهاجرون فلسطينيون في تشيلي. ومنذ ذلك الوقت، ظل اسم النادي وهويته مرتبطين بصورة وثيقة بالجالية الفلسطينية في البلاد.
وتضم تشيلي واحدة من أكبر الجاليات الفلسطينية خارج العالم العربي، كما تُعد من أنجح الجاليات الفلسطينية في أمريكا اللاتينية. ولهذا لم تكن العلاقة بين النادي وفلسطين مجرد علاقة رمزية عابرة، بل امتداداً لتاريخ طويل من الهجرة والاندماج والحفاظ على الهوية.
ومن هذا المنطلق، رأى نادي بالستينو أن وضع خريطة فلسطين على قميصه يعكس جزءاً أساسياً من هويته وتاريخه. وبالنسبة إلى النادي، كانت الخريطة تعبيراً عن فلسطين كما عرفها الفلسطينيون قبل قيام كيان الاحتلال على أرض فلسطين.
وفي خضم الجدل الذي أثاره القميص، عبّر النادي عن موقفه بوضوح، قائلاً:
«بالنسبة إلينا، فلسطين الحرة ستكون دائماً فلسطين التاريخية، لا أقل من ذلك».
لم تكن العبارة مجرد رد على الانتقادات التي واجهها النادي، بل اختزلت الموقف الذي أراد بالستينو التعبير عنه من خلال قميصه؛ أن الخريطة بالنسبة إليه مرتبطة بذاكرة وهوية وتاريخ، وليست مجرد تصميم على ملابس رياضية.
كان يمكن للقصة أن تنتهي عند قرار الاتحاد التشيلي لكرة القدم بفرض الغرامة على النادي وإجباره على إزالة الخريطة من تصميم الرقم «1»، لكن ما حدث كان العكس تماماً.
فبعد إعادة تصميم القميص، انتقلت الخريطة من موضع الرقم إلى الصدر والأكمام، وبذلك لم تختفِ من القميص، بل أصبحت أكثر وضوحاً وحضوراً. ومع مرور الوقت، تجاوز هذا القميص حدود ملاعب كرة القدم التشيلية، ووصل إلى ساحات السياسة والاحتجاج.
وهكذا تحوّل قميص نادي بالستينو إلى رمز عالمي للتضامن مع فلسطين ومناهضة الاحتلال. ولم يعد يُنظر إليه بوصفه مجرد قميص لنادٍ رياضي، وإنما باعتباره قطعة تحمل رسالة سياسية، وتحكي في الوقت نفسه قصة جالية فلسطينية بعيدة جغرافياً عن الوطن، لكنها حافظت على ارتباطها به عبر الأجيال.
تكشف قصة نادي بالستينو كيف يمكن لكرة القدم، بما تملكه من جماهيرية وانتشار، أن تتجاوز حدود الرياضة لتصبح وسيلة لحمل قضايا الشعوب وذاكرتها.
فقميص بدأ برقم «1» على هيئة خريطة، أثار اعتراضات سياسية، وانتهى إلى تصميم أكثر وضوحاً للخريطة الفلسطينية على الصدر والأكمام. وبين القرار الأول والعقوبة وإعادة التصميم، تشكلت قصة تجاوزت تفاصيل كرة القدم نفسها.
لقد حمل نادي بالستينو فلسطين على قميصه، لأنه رأى فيها جزءاً من تاريخه وهويته؛ وحمل مشجعوه القميص، فتحوّل الرمز إلى رسالة؛ ومع انتشار القميص خارج الملاعب، تحولت الرسالة إلى رمز عالمي للتضامن مع فلسطين.
إنها حكاية نادي كرة قدم حمل فلسطين على قميصه، فتحوّل القميص إلى هوية، والهوية إلى قضية.



أضف تعليق
قواعد المشاركة