زكريا الزُبيدي... حين يصبح التصفيق مخزياً

منذ شهر   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

لم يكن المشهد متعلقاً بفرحة زكريا الزُبيدي بخروجه من سجون الاحتلال؛ فمن حق الأسير المحرر أن يفرح بحريته، وأن يبتسم بعد سنوات طويلة خلف القضبان.

المشهد كان شيئاً آخر.

كان زكريا يجلس على منصة، بينما كان أحد المتحدثين ينتقد غزة وأهلها، ويتحدث عن السابع من أكتوبر، ويطالبهم بالاعتذار. وبين الكلمات، كانت يد زكريا تصفق.

هنا يصبح التصفيق هو القضية.

ليس لأن الاختلاف ممنوع، ولا لأن الفلسطينيين مطالبون بالاتفاق في كل شيء، ولكن لأن بعض المواقف تحتاج إلى ذاكرة أطول من لحظة التصفيق.

في 30 يناير/كانون الثاني 2025، خرج زكريا الزُبيدي من سجون الاحتلال ضمن صفقة تبادل أسرى، على وقع تضحيات ودماء سالت في غزة. كانت لحظة حرية انتظرها طويلاً، ومن حقه أن يفرح بها؛ لكن تلك الحرية لم تأتِ من فراغ، بل جاءت في زمن كانت فيه غزة تدفع من دمها ثمناً باهظاً.

وهنا يحق لنا أن نسأل:

وأنت تصفق يا زكريا، هل مرت أمام عينيك أنهار الدماء والأشلاء التي سالت في غزة؟ هل تذكرت خيام أهلها وأطفالها الذين صار سقفهم قطعة قماش؟ هل تذكرت عائلات فقدت بيوتها وأبناءها وأحبتها؟

هل تذكرت أبو الرعد، الذي لم تمضِ على رحيله سوى أيام؟ وهل تذكرت ابنك محمد، الذي استشهد في طوباس في سبتمبر/أيلول 2024؟ أم تذكرت أخاك طه، الذي استشهد عام 2002، وأخاك داوود، الذي استشهد في جنين عام 2022؟

هذه ليست دعوة إلى إلغاء الاختلاف، ولا إلى أن يصبح الحزن أسلوب حياة. إنها دعوة إلى شيء أبسط؛ ألا نفقد البوصلة الأخلاقية ونحن نختلف.

فمن حق الإنسان أن يختلف، وأن يناقش، وأن ينتقد، وأن تكون له رؤيته السياسية. لكن هل كان التصفيق هو التعبير الأنسب في لحظة يُطلب فيها من غزة، بكل ما حملته من موت ودمار وألم، أن تعتذر؟

وأي اعتذار هذا الذي يُطلب من الضحية، بينما الاحتلال وأعوانه يواصلون صناعة المأساة؟

الوطن ليس منصة سياسية فقط، الوطن أيضاً أم تنتظر ابنها، وأخ فقد أخاه، وطفل يبحث عن خيمة، وشهيد ترك وراءه صورة على جدار.

وأنا لا أقول إن زكريا خان وطنه؛ فهذا حكم أكبر من مشهد، لكنني أقول إن بعض التصفيق قد يضع صاحبه أمام أسئلة لا يستطيع الصوت العالي أن يخفيها.

والزمن لا يغير الناس بقدر ما يكشفهم؛ يكشف مواقفهم عندما تتعارض السياسة مع الذاكرة، والكلمة مع الدم، واللحظة مع التاريخ.

ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث للفلسطيني أن يستعير لغة خصمه، وأن ينسى من الذي يحتل أرضه، ومن الذي هدم بيته، ومن الذي قتل أبناءه، ثم ينشغل بتوبيخ الضحية ومطالبتها بالاعتذار.

فالاحتلال لا يحتاج دائماً إلى أن ينتصر بالسلاح؛ أحياناً يكفيه أن ينجح في جعل الضحية تحاكم الضحية، وأن يصبح الفلسطيني في مواجهة الفلسطيني، بينما يخرج الاحتلال وأعوانه من المشهد وكأنهم لم يكونوا السبب الأول في كل هذا الخراب.

ولعل أجمل ما يقال في زمن اختلطت فيه البوصلات:

جاور من يشبهك، وحاور من يحترمك، وشاور من يحبك.

أما التصفيق، فليس دائماً فرحاً. أحياناً يكون موقفاً، وأحياناً يكون رسالة، وأحياناً، عندما يأتي في المكان الخطأ، يصبح أثقل من الكلام كله.

لذلك لم يكن السؤال: لماذا فرح زكريا الزُبيدي بحريته؟

السؤال الأصعب هو:

لماذا صفق زكريا الزُبيدي عندما كان الحديث يتضمن انتقاداً وانتقاصاً من غزة وأهلها؟

ثم سؤال آخر أكثر مرارة:

لماذا كان يجلس في مكانٍ لا يليق بتاريخه النضالي ولا بمكانته؟

وفي بلدٍ ما زال الشهداء فيه أكثر حضوراً من الأحياء، ربما كان الصمت في تلك اللحظة أبلغ من التصفيق.

فحين تكون غزة تحت النار، ومخيمات جنين وطولكرم ونور شمس تحت بطش الاحتلال، وحين يكون الاحتلال وأعوانه في الجهة المقابلة، لا يجوز أن تختلط البوصلة إلى درجة يصبح فيها التصفيق لمن يجلد الضحية أقوى من التضامن معها.

لهذا كان تصفيقك... مخزياً، يا زكريا.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

سمر حمد… أسئلةٌ معلّقة خلف قضبان الاعتقال

بعض الكلمات لا تنتهي بانتهاء الحديث، وبعض الأسئلة تظل مفتوحة في الذاكرة، كأن أصحابها تركوها أمانةً في أعناقنا؛ فلا نملك لها جواباً… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون