«شاهدتُ بأمِّ عيني»: شهادةُ يوسف عبد نايف مجذوب (أبو جمال) عن مجزرة صبرا وشاتيلا

منذ 4 أسابيع   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

تقدّم هذه الشهادة رواية شخصية ليوسف عبد نايف مجذوب (أبو جمال)، أحد سكان حيّ عرسان المحاذي لمخيّم شاتيلا، حول ما عايشه وشاهده خلال أحداث مجزرة صبرا وشاتيلا في أيلول/سبتمبر 1982. ويروي أبو جمال تفاصيل الأيام التي سبقت اكتشاف المجزرة وما تلاها، بدءاً من مشاهدته جنود الاحتلال وهم يتخذون مواقعهم قرب حيّ عرسان ومخيّم شاتيلا، وصولاً إلى إصابة ابنته عبير، ثم دخوله المنطقة ومشاهدته آثار المجزرة وجثث الضحايا.

كما تتضمن الشهادة تفاصيل عثوره، أثناء عملية جمع الجثث، على هوية عسكرية وميدالية تحمل رقماً عسكرياً، قبل أن يسلّمهما لاحقاً إلى صحافية حضرت إلى المخيّم لتوثيق آثار المجزرة. وإلى جانب تفاصيلها الميدانية والإنسانية، تكشف الشهادة عن الأثر العميق الذي خلّفته تلك الأحداث في ذاكرة أبي جمال وحياة أسرته.

أنا يوسف عبد نايف مجذوب (أبو جمال)، فلسطيني من مواليد قرية عمقا، قضاء عكا، عام 1938.

أروي هذه الشهادة عن الأحداث التي عشتها وشاهدتها خلال مجزرة صبرا وشاتيلا في أيلول/سبتمبر عام 1982، وما تركته تلك الأحداث من آثار لا تزال راسخة في ذاكرتي حتى اليوم.

في يوم الخميس 16 أيلول/سبتمبر 1982، وفي حوالي الساعة الخامسة والنصف مساءً، شاهدت جنود الاحتلال وهم ينزلون من الدبابات ويتخذون مواقع قتالية باتجاه حيّ عرسان ومخيّم شاتيلا، مقابل الحرش.

عندما شاهدت ذلك، أدركت أن شيئاً خطيراً قد يحدث لنا، فأخبرت الناس بضرورة المغادرة. جمعت أولادي، وذهبنا إلى ملجأ الحرش.

وعندما نزلنا إلى الملجأ، أُصيبت ابنتي عبير برصاصة من رشاش مزوّد بكاتم صوت. أصابتها الرصاصة في الرئة، فأخذتها أمها إلى مستشفى الجامعة الأميركية لتلقّي العلاج.

بعد ذلك، خرجت من الملجأ من المدخل الثاني، وقلت للجيران إن ابنتي قد أُصيبت، وإن اليهود بدأوا بإطلاق النار بأسلحة مزوّدة بكواتم صوت.

وعندما وصلت إلى منزل والدي في مخيّم شاتيلا، وكان ذلك يوم الجمعة، جاء رجل وأخبرنا بأن هناك مجزرة في حيّ عرسان.

في البداية، لم يصدّقه الناس، وحتى أنا لم أكن أعلم أن مجزرة كانت تُرتكب بالقرب مني، رغم أنني كنت من سكان حيّ عرسان، بالقرب من جمعية إنعاش المخيم الفلسطيني، وبالقرب من مقر نادي الكرمل الرياضي.

في يوم السبت، دخل الصليب الأحمر والدفاع المدني إلى منطقة حيّ عرسان. وهناك شاهدت بأم عيني مشاهد لا يمكن أن أنساها ما دمت حيّاً.

شاهدت أطفالاً مقطّعين، ونساءً بُقرت بطونهن، وجثثاً بلا رؤوس، وأيدي وأرجلاً مقطّعة. كانت هناك أعداد كبيرة من الجثث المشوّهة، وكان لونها يميل كثيراً نحو السواد.

ما شاهدته في صبرا وشاتيلا لن أنساه ما دمت حيّاً. لقد بقيت المجزرة في ذاكرتي دائماً، وكأنها محفورة فيها.

وأثناء عملية تجميع الجثث، وجدت بطاقة عسكرية وميدالية تحمل رقماً عسكرياً لجندي من جيش الاحتلال. بقيت هذه الهوية والميدالية معي حتى يوم الأحد.

وفي يوم الأحد، حضر عدد من الصحافيين إلى المخيّم لتصوير آثار المجزرة. أخبرتهم أنني وجدت هوية لجندي من جنود الاحتلال.

كانت من بينهم صحافية طلبت مني الهوية، لكنني رفضت في البداية إعطاءها إياها. حاولت إقناعي مرات عديدة، وبعد ذلك أعطيتها إياها يوم الاثنين، على أساس أن تقوم بتصويرها ثم تعيدها إليّ.

لكنني لم أرَ الهوية والميدالية منذ ذلك الحين.

وقبل أن تذهب، سألتها عن اسمها، فقالت لي: «أنا مثلك من فلسطين، وهذا الشيء يهمني»، وقالت إن اسمها ليلى شهيد.

وقد التقطت ليلى شهيد صورة لي في المكان نفسه الذي وجدت فيه الهوية والرقم العسكري.

لكنها أخذت الهوية العسكرية والميدالية، ولم تُعِدهما إليَّ. لا أعرف لماذا لم تُعِدهما لي، ولا أعرف ماذا فعلت بهما.

إن ما رأيته في صبرا وشاتيلا لا يزال حاضراً في ذاكرتي. لم أنسَ تلك المشاهد، ولا أعتقد أنني سأستطيع نسيانها ما حييت.

أما ابنتي عبير، فقد أُصيبت برصاصة في رئتها، وما زالت تعاني من آثار إصابتها حتى يومنا هذا.

هذه شهادتي عمّا عشته وشاهدته خلال تلك الأيام، وما بقي محفوراً في ذاكرتي من أحداث ومشاهد مجزرة صبرا وشاتيلا.

تشكّل شهادة يوسف عبد نايف مجذوب (أبو جمال) جزءاً من الذاكرة الشفوية لمجزرة صبرا وشاتيلا، وتوثّق ما عايشه وشاهده في حيّ عرسان ومخيّم شاتيلا خلال تلك الأيام، وما خلّفته المجزرة من آثار بقيت حاضرة في ذاكرته وحياة أسرته.

المصدر: مقابلة شخصية أجراها الكاتب والباحث محمود كلّم مع يوسف عبد نايف مجذوب (أبو جمال)، مخيّم شاتيلا، جنوب بيروت، 27 أيار/مايو 2002.

التوثيق: تسجيل فيديو بالصوت والصورة للمقابلة، محفوظ ضمن أرشيف الكاتب والباحث محمود كلّم.

 

 

مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

سمر حمد… أسئلةٌ معلّقة خلف قضبان الاعتقال

بعض الكلمات لا تنتهي بانتهاء الحديث، وبعض الأسئلة تظل مفتوحة في الذاكرة، كأن أصحابها تركوها أمانةً في أعناقنا؛ فلا نملك لها جواباً… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون