محمود شقير: حارس القدس في سرد الذاكرة الفلسطينية (2) ببلوغرافيا كاتبٍ جعل من القصة وطناً، ومن القدس ذاكرةً لا تُستعاد إلا بالكتابة

منذ أسبوع   شارك:

عماد خالد رحمة

باحث فلسطيني مقيم في برلين

السيرة: حين تتحول الذاكرة إلى وثيقة

في أعماله السيرية، ولا سيما «مديح لمرايا البلاد» و«أنا والكتابة: من ألف باء اللغة إلى بحر الكلمات» و«تلك الأمكنة» و«تلك الأزمنة» و«هامش أخير»، تتخذ الكتابة منحى اعترافياً هادئاً.

لا يكتب شقير سيرته ليصنع أسطورة عن نفسه؛ بل على العكس، يبدو حريصاً على تفكيك الأسطورة، وعلى الاقتراب من الإنسان بما له من ضعف وخجل وقلق وذكريات وانكسارات.

وهنا تكمن قيمة سيرته: صدقها الإنساني.

فالكاتب الذي عاش الاعتقال والمنفى والعمل الثقافي والعودة لا يقدم نفسه بطلاً أسطورياً، وإنما إنساناً عاش زمنه بكل تناقضاته، وترك للكتابة مهمة ترتيب الفوضى الداخلية.

ولهذا فإن سيرته الشخصية تتجاوز الفرد لتصبح وثيقة عن فلسطين والقدس والحياة الثقافية العربية منذ منتصف القرن العشرين.

 

الطفل في قلب مشروع شقير

من العلامات المضيئة في تجربته انشغاله المبكر بأدب الأطفال والفتيان.

كتب عشرات الأعمال الموجهة إلى هذه الفئة، ومنها: «الحاجز»، «الجندي واللعبة»، «أغنية الحمار»، «مهنة الديك»، «طيور على النافذة»، «الولد الذي يكسر الزجاج»، «تجربة قاسية»، «الملك الصغير»، «علاء في البيت الصغير»، «قالت لنا الشجرة»، «كلب أبيض ذو بقعة بيضاء»، وغيرها.

ولم يكن أدب الطفل عنده هامشاً في المشروع الإبداعي، بل كان جزءاً من رؤيته للإنسان.

إنه يعرف أن الطفل الفلسطيني لا يعيش طفولة عادية؛ لذلك يحاول أن يمنحه في الأدب ما تحرمه منه الحياة: الدهشة، واللعب، والخيال، والأمل، وحق السؤال.

ومن هنا فإن الكتابة للطفل عنده فعل أخلاقي وجمالي في آن واحد.

 

السخرية: أن تضحك في وجه القهر

تظهر السخرية في أعمال محمود شقير بوصفها سلاحاً جمالياً، خصوصاً في «صورة شاكيرا» و*«ابنة خالتي كوندوليزا»*.

إنها ليست سخرية من أجل الإضحاك، وإنما سخرية تكشف عبث الواقع وتعرّي السلطة وتمنح الإنسان المقهور لحظة تفوق رمزية على جلاده.

حين يعجز الإنسان عن تغيير العالم بالقوة، يستطيع أحياناً أن يهزمه بالسخرية.

ومن هنا تصبح المفارقة عند شقير موقفاً جمالياً وأخلاقياً: الضحك في مواجهة الخوف، والتهكم في مواجهة التسلط، والذكاء في مواجهة القسوة.

 

المسرح والتلفزيون: عابر الأجناس

لم يحصر شقير نفسه في جنس أدبي واحد؛ فقد كتب للمسرح، وشارك في كتابة عدد من الأعمال التلفزيونية، ومن بينها أعمال تناولت شخصيات وأحداثاً تاريخية واجتماعية.

ومن أعماله المسرحية: «ديمقراطي بالعافية»، «كله ع الريموت»، «تفاصيل صغيرة»، و«جمانة والأولاد».

كما كتب أو أسهم في كتابة أعمال تلفزيونية مثل «الكواكبي»، و«حدث في المعمورة»، و«الزيارة»، و«إبراهيم طوقان»، و«دروب لا تلتقي»، و«بيوت في الريح».

وهذا التعدد لا يبدو عنده رغبة في الاستعراض، بل امتداداً لإيمانه بالتجريب، وبأن الفكرة الجيدة يمكن أن تبحث عن شكلها المناسب خارج الحدود الصارمة للأجناس الأدبية.

أنطولوجيا الأعمال: خريطة ستة عقود من الكتابة

 

يمكن قراءة مسيرة محمود شقير الببليوغرافية بوصفها خريطة متدرجة لتطور السرد الفلسطيني والعربي الحديث، ومن أبرز عناوينها:

- خبز الآخرين ـ ١٩٧٥.

- الولد الفلسطيني ـ ١٩٧٧.

- طقوس للمرأة الشقية ـ ١٩٨٦.

- الحاجز ـ ١٩٨٦.

- الجندي واللعبة ـ ١٩٨٦.

- أغنية الحمار ـ ١٩٨٨.

- صمت النوافذ ـ ١٩٩١.

- قالت مريم.. قال الفتى ـ ١٩٩٦.

- ظل آخر للمدينة ـ ١٩٩٨.

- مهنة الديك ـ ١٩٩٩.

- أنا وجمانة ـ ٢٠٠٠.

- طيور على النافذة ـ ٢٠٠١.

- الولد الذي يكسر الزجاج ـ ٢٠٠١.

- تجربة قاسية ـ ٢٠٠١.

- مرور خاطف ـ ٢٠٠٢.

- الربان ـ ٢٠٠٣.

- صورة شاكيرا ـ ٢٠٠٣.

- ابنة خالتي كوندوليزا ـ ٢٠٠٤.

- باحة صغيرة لأحزان المساء ـ ٢٠٠٦ ٢٠٠٥ .

- الحطاب ـ ٢٠٠٤.

- الملك الصغير ـ ٢٠٠٤.

- علاء في البيت الصغير ـ ٢٠٠٤

- قالت لنا الشجرة ـ ٢٠٠٤.

- مدن فاتنة وهواء طائش ـ ٢٠٠٥.

- احتمالات طفيفة ـ ٢٠٠٦.

- كوكب بعيد لأختي الملكة ـ ٢٠٠٦.

- مرايا الغياب ـ ٢٠٠٧.

- مقعد رونالدو وقصص أخرى ـ ٢٠٠٧.

- شاربا مردخاي وقطط زوجته ـ ٢٠٠٧.

- كلب أبيض ذو بقعة بيضاء ـ ٢٠٠٨.

- الحي العجيب وقصص أخرى ـ ٢٠٠٩.

- القدس وحدها هناك ـ ٢٠١٠.

- قالت لنا القدس ـ ٢٠١٠.

- حكايات على ظهر فرس ـ ٢٠١٠.

- أحلام الفتى النحيل ـ ٢٠١١.

- مدينة الخسارات والرغبة ـ ٢٠١١.

- بنت وثلاثة أولاد في مدينة الأجداد ـ ٢٠١٢.

- مديح لمرايا البلاد ـ ٢٠١٢.

- الأعمال القصصية الكاملة ـ ٢٠١٢.

- فرس العائلة ـ ٢٠١٣.

- القدس مدينتي الأولى ـ ٢٠١٤.

- مديح لنساء العائلة ـ ٢٠١٥.

- في انتظار الثلج ـ ٢٠١٦.

- أنا وصديقي الحمار ـ ٢٠١٦.

- ظلال العائلة ـ ٢٠١٨.

- فدوى طوقان: الرحلة الأبهى ـ ٢٠١٨.

- أنا والكتابة: من ألف باء اللغة إلى بحر الكلمات ـ ٢٠١٨.

- تلك الأمكنة ـ ٢٠٢٠.

- بيت من ألوان: إسماعيل وتمام ـ ٢٠٢٢.

- تلك الأزمنة ـ ٢٠٢٢.

- حفيدة من هناك ـ ٢٠٢٥.

- إضافة إلى أعمال سردية وسيرية ونصوص أخرى صدرت خلال مسيرته الطويلة.

وهذه القائمة لا ينبغي النظر إليها بوصفها مجرد سجل عناوين، بل بوصفها أرشيفاً إبداعياً لتحولات الكاتب وتحولات فلسطين معه.

 

الجوائز والتكريمات

توجت مسيرته بجملة من الجوائز والتكريمات، من أبرزها:

جائزة محمود درويش للحرية والإبداع ـ ٢٠١١، وكان من أوائل الحاصلين عليها.

جائزة القدس للثقافة والإبداع ـ ٢٠١٥.

جائزة دولة فلسطين في الآداب ـ ٢٠١٩.

جائزة فلسطين العالمية للآداب ـ ٢٠٢٣.

كما نالت أعماله ترجمات إلى لغات متعددة، من بينها الإنجليزية والفرنسية والألمانية والصينية والكورية والمنغولية والتشيكية وغيرها، وأصبحت تجربته موضوعاً لبحوث ودراسات أكاديمية في فلسطين والعالم العربي وأوروبا.

وفي عام ٢٠٢٦ اختير الأديب المقدسي محمود شقير شخصية العام الثقافية في فلسطين، في تكريم يضاف إلى سلسلة طويلة من الاعتراف بمكانته في المشهد الأدبي الفلسطيني.

البعد الأنطولوجي في تجربة محمود شقير

إذا تجاوزنا الببليوغرافيا إلى الأنطولوجيا، أي إلى سؤال الوجود والمعنى والقيمة في هذه التجربة، فإننا سنجد أربعة محاور كبرى تحكم عالم محمود شقير:

الإنسان.

المكان.

الذاكرة.

الحرية.

الإنسان عنده ليس رقماً في التاريخ، وإنما مركز الحكاية.

والمكان ليس خلفية للأحداث، وإنما كائن له ذاكرته وملامحه وجرحه.

والذاكرة ليست استرجاعاً للماضي، وإنما مقاومة للنسيان.

أما الحرية، فهي القيمة التي تجعل الكتابة ممكنة وضرورية.

ومن هنا يمكن قراءة تجربة شقير باعتبارها مشروعاً متكاملاً في مقاومة المحو: محو الإنسان، ومحو المكان، ومحو التاريخ، ومحو التفاصيل الصغيرة التي يتأسس منها معنى الوطن.

 

محمود شقير: الكتابة بوصفها أخلاقاً

ربما تكون إحدى أهم خصائص تجربته أنه لم يفصل الأدب عن الأخلاق.

فالكتابة عنده ليست موقفاً جمالياً وحسب، بل مسؤولية تجاه الإنسان.

ولهذا جاءت شخصياته في معظم الأحيان قريبة من الحياة: عامل، وطفل، وامرأة، ومثقف، ومعتقل، ومنفي، وعابر طريق، وشخص عادي يحمل في داخله تاريخاً غير عادي.

وهذا ما يجعل أدبه بعيداً عن البطولة المصطنعة؛ إنه يؤمن بالإنسان في هشاشته، وبقدرته على مقاومة القسوة دون أن يتحول إلى نسخة أخرى من القاسي.

 

محمودان في سماء الأدب الفلسطيني

قد تبدو المقارنة بين محمود درويش ومحمود شقير كبيرة، لكنها ليست اعتباطية إذا نظرنا إليها من زاوية تاريخ الأدب الفلسطيني الحديث.

لقد منح محمود درويش فلسطين لغتها الشعرية الكونية، فيما منح محمود شقير الإنسان الفلسطيني فسحة واسعة في السرد، وفي القصة، وفي تفاصيل الحياة اليومية، وفي الذاكرة المقدسية.

درويش جعل الوطن قصيدة تتجاوز الحدود، وشقير جعل المكان حكاية تحفظ تفاصيله من الغياب.

وبين الشعر والسرد، بين القصيدة والقصة، تتشكل صورة فلسطين في الأدب العربي الحديث بأحد أجمل تجلياتها.

الكاتب الذي عاد إلى القدس، ولم تخرج القدس منه

محمود شقير ليس مجرد كاتب فلسطيني ولد في القدس؛ إنه كاتب كتبت القدس جزءاً من تكوينه قبل أن يكتب عنها.

دخل السجن، فحمل المدينة معه.

ذهب إلى المنفى، فصارت المدينة أكثر حضوراً.

عاد إليها، فاكتشف أن المكان الذي ظنه قد غاب عنه لم يكن غائباً قط؛ كان يسكن اللغة والذاكرة والحلم.

ولهذا تبدو أعماله، في مجملها، أشبه بسيرة طويلة لفلسطين من الداخل: فلسطين الإنسان، والبيت، والمرأة، والطفل، والشارع، والذاكرة، والاحتلال، والمنفى، والعودة.

لقد كتب محمود شقير أكثر من ستة عقود، لكنه لم يكتب ستة عقود من الكتب فقط؛ كتب ستة عقود من مقاومة النسيان.

وهنا تكمن قيمة تجربته الحقيقية.

فالأدب الذي يبقى ليس هو الأدب الذي يصف زمنه فحسب، بل الأدب الذي يستطيع أن يمنح الزمن ذاكرة.

ومحمود شقير فعل ذلك.

كتب القدس كي لا تتحول إلى صورة.

كتب الطفل كي لا يُختزل في الضحية.

كتب الإنسان كي لا تبتلعه السياسة.

كتب التفاصيل كي لا يربح النسيان معركته.

وكتب فلسطين لا بوصفها شعاراً، وإنما بوصفها حياةً كاملة تستحق أن تُروى.

لذلك، حين نضع أعمال محمود شقير في سياق الأدب الفلسطيني والعربي، فإننا لا نضع اسماً في قائمة، بل نضع تجربةً كاملة في سجل الذاكرة الثقافية: كاتباً جعل من القصة وطناً، ومن الذاكرة مقاومة، ومن القدس قلباً سردياً لا يهدأ.

 

وفي المحصلة، يظل محمود شقير واحداً من أبرز حراس الذاكرة الفلسطينية الحديثة؛ حارساً لا يقف على بوابة الماضي، وإنما يعيد بناء الماضي بالكلمات كي يظل المستقبل ممكناً.إذا رغبت، أستطيع أيضاً تحويل هذه المادة إلى دراسة نقدية أكاديمية أعمق عن محمود شقير، تتناول مشروعه من زوايا السرديات، والسيميائيات، والأنثروبولوجيا الثقافية، والهيرمينوطيقا، وعلاقة المكان بالذاكرة والهوية الفلسطينية، مع الحفاظ على اللغة الباذخة نفسها.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

سمر حمد… أسئلةٌ معلّقة خلف قضبان الاعتقال

بعض الكلمات لا تنتهي بانتهاء الحديث، وبعض الأسئلة تظل مفتوحة في الذاكرة، كأن أصحابها تركوها أمانةً في أعناقنا؛ فلا نملك لها جواباً… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون