ندوات
أوضاع الفلسطينيين السوريين بين سورية ولبنان
إعداد أيهم السهلي
حين وجه الأخ ياسر العلي الدعوة لي للمشاركة في هذه الندوة، ترددت في قبولها، رغم أهمية ياسر ومكانته، ورغم أهمية الموضوع. وسبب التردد الذي هو قائم حتى هذه اللحظة مرتبط بسؤال رئيسي، هل هناك ما يميز اللاجئ الفلسطيني السوري إلى لبنان ما يميزه عن اللاجئ الفلسطيني اللبناني؟
في الحقيقة ومن وجهة نظري ليس هناك ما يميزهما سوى بضع مسائل قانونية وحقوقية، تلتقي أيضاً في النقاط من ناحية الصعوبات والتحديات المتعلقة بالعمل والتعليم وأمور أخرى.
الفلسطيني السوري في لبنان يحتاج إلى إقامة تجدد كل ستة أشهر، ومؤخراً لا تجدد هذه الإقامة، ولا سيّما بعد أن بدأت الأمور في سوريا تميل إلى الاستقرار. وبحسب الأنروا، أصبح الحصول على الإقامة القانونية للاجئي فلسطين من سوريا أكثر صعوبة منذ أيار 2024، عندما فرضت الحكومة اللبنانية تدابير جديدة تؤثر على تجديد تصاريح الإقامة. وقد أدى ذلك إلى خلق عقبات إضافية أمام حرية التنقل خارج مخيمات لاجئي فلسطين حيث تقدم الأونروا الخدمات الأساسية.
بتقديري عدا عن ذلك، ليس هناك فوارق كبيرة، على اعتبار أن الفلسطيني اللبناني بموجب القانون اللبناني ممنوع من ممارسة معظم المهن، وهنا فارق أساسي غير مطبق إلا في حالات قليلة، هو أن الفلسطيني في لبنان يحق له بموجب القانون استصدار إجازة عمل، طبعاً مع شروط الضمان الاجتماعي التي لا تطبق على الفلسطيني ما ينطبق على اللبناني المسجل في الضمان، أما الفلسطيني السوري، وفي ظل هذه القوانين، قلما يفكر رب عمل بتسجيله في الضمان، وإن حدث، فإن ما يطبق عليه هو ما ينطبق على العامل الأجنبي بموجب القانون اللبناني.
لجأ إلى لبنان بحسب معلومات الأونروا في تشرين الأول 2013، نحو 50,300 لاجئاً فلسطينياً من سوريا، وانخفض العدد إلى نحو 655,23 ألف في 2025، أي نحو 8500 أسرة. عاشوا في معظمهم في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين. الفارق بين الرقمين، لا يعني العودة إلى سوريا، فقد التحق عدد كبير منهم بأهلهم في دول المهجر الجديدة في أوروبا، ولا سيّما أن العام 2015 وما تلاه شهد موجة هجرة كبيرة. كما أن عدداً منهم عاد إلى سوريا. علماً أن معظمهم 80 بالمئة منهم كانوا يسكنون في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين جنوبي دمشق، وهو مخيم غير رسمي.
ومن الضروري التذكير والتأكيد أن اللاجئين الفلسطينيين من سوريا إلى لبنان، يتلقون مساعدات مادية من الأونروا، ما زالت سارية حتى اليوم، علماً أنها انخفضت بشكل كبير. أيضاً وبحسب الأونروا فإن معدلات الفقر بين اللاجئين الفلسطينيين من سوريا في لبنان تبلغ حوالي 70-80 بالمئة وفقا للأونروا في آب 2025.
مع اندلاع الحرب في لبنان سنة 2024 و2026، كان أمام الفلسطيني السوري في لبنان خياران، إما النزوح مع أقرانه، وإما العودة إلى سوريا.
البعض بالفعل عادوا إلى سوريا، وتشير أرقام الأونروا إلى أنه خلال حرب 2024، عاد 1821 لاجئاً فلسطينياً إلى سوريا، بينما في الحرب الأخيرة على لبنان عاد إلى سوريا نحو 1200 لاجئ فلسطيني من سوريا إلى سوريا. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن هذه الأرقام ليست نهائية، فالعودة مستمرة، وإن كانت بأعداد قليلة، تحديداً كما أشرت بسبب القيود على الإقامات النظامية وعدم القدرة على تجديدها، وأحياناً بحسب بعض وسائل الإعلام حجز أوراق ثبوتية لبعض اللاجئين الفلسطينيين من سوريا الذين يتقدمون لحيازة الإقامة.
طبعاً إلى ظروف لا تقل تعقيداً عن أوضاعهم في لبنان، ولا سيّما أن مخيم اليرموك مدمر في معظمه، كلياً وجزئياً، وهنا لا بد من إيضاح يتعلق باليرموك، فهناك عودة ملحوظة في المخيم، حتى إن بعض المصالح التجارية بدأت بالعودة. والعودة للسكن في أماكن مهدم عائد إلى أمرين من وجهة نظري، الأول الأوضاع الاقتصادية الصعبة في سوريا وارتفاع إيجارات المنازل في مختلف مناطق العاصمة دمشق وريفها، لذا يجد اللاجئ الفلسطيني في سوريا خيار العودة إلى بيته المدمر جزئياً مناسباً ويهون عليه دفع الإيجار الذي يحوله لاستصلاح بيته، ولو غرفة بعد غرفة، وهذا ما حدث بالفعل، فالبعض عادوا للسكن في غرفة واحدة، وبدؤوا بترميم باقي منازلهم والتوسع، أما السبب الثاني فهو شعور ضمني بالحرص على إبقاء المخيم، ولا سيّما أن مسألة حق التملك للاجئ الفلسطيني في سوريا حالياً ليست واضحة تماماً، وهذا عائد إلى سنة 2011، بعد تعديلات قانون التملك في سوريا، حيث بات الفلسطيني بحاجة إلى استصدار موافقة أمنية للسكن أو التملك، كانت تصدر هذه الموافقة، إلا إنها حالياً لا تصدر، والفلسطينيون في سوريا ينتظرون القرار الرسمي في هذا الشأن. وفي هذا الصدد أود أن أشير إلى أن وضع الفلسطينيين في سوريا حالياً غير مستقر في ظل ضبابية القوانين، واحتمالية النظر إيجاباً أو سلباً في القانون 260 لعام 1956 الذي ينظم حياة اللاجئين الفلسطينيين في سوريا بوصفهم "بحكم السوري" باستثناء الانتخاب والترشح. وهذه الضبابية أدت إلى دخول العديد من المؤسسات للعمل في المخيمات، ولا سيّما اليرموك، التجربة السورية، وكذلك الفلسطينية في سوريا ضعيفة نسبياً في التعامل مع مؤسسات NGO’S، وأشير إلى هذا الشأن بسبب الفراغ الكبير في العديد من القطاعات الحيوية التي يحتاجها المخيم، وهي غير مغطاة، لذا تتصدى لذلك بعض المؤسسات والجمعيات غير الفلسطينية أو السورية. وهنا لا أتحدث عن مؤامرة، إنما عن إدارة ومراقبة وتحكم أحياناً في برامج هذه المؤسسات وأهدافها. ومرة أخرى، السنوات الماضية خلال الثورة السورية، غاب دور الفصائل الفلسطينية عن حياة الفلسطينيين، كما كان غائباً من قبل، لكن في ظل الثورة، وفقدان الفلسطينيين لكتلتهم الصلبة في مخيم اليرموك، الذي كان الفلسطينيون فيه أقلية على كل حال، والمخيم كان يحمل هوية معنوية فلسطينية، بينما سكانياً فلا. وغياب الدور الفلسطيني في حياة الفلسطينيين وتفاقم الحاجة وارتفاع نسبة الفقر، أدى إلى احتياجات، سرعان ما جربت جمعيات ومؤسسات لملئها. والآن أيضاً أقول إن هناك منافسة فصائلية في المخيمات، واضحة جداً في مخيم اليرموك، وذلك عبر بعض الجمعيات، في الحقيقة تغيب عن الأوضاع السورية الجديدة، وما تريده السلطات السورية الجديدة بخصوص الفلسطينيين في سوريا، فهي على ما يبدو تريد التعامل مع السلطة الفلسطينية وسفارتها في سوريا كممثل للفلسطينيين، بينما على الأرض هناك منافسة بين القوى، من جانب تفيد اللاجئين، لكنها من جانب آخر تثير قلقهم، فالمستقبل غامض، طالما أن السياسة السورية لم توضح موقفها فعلياً من القوى الفلسطينية المتبقية في سوريا، ولا من اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، ولا من المخيمات وشكل بقائها أو عدم بقائها، وهنا من المفيد التذكير أن لمخيم اليرموك مخطط تنظيمي بوصفه البوابة الجنوبية لدمشق، وهذا المخطط معد من زمن النظام البائد، وقد تم تعليقه بعد أن عريضة وقعها الفلسطينيون بالمئات. على كل حل للمزيد حول تفاصيل حياة الفلسطينيين في سوريا أحيلكم إلى ورقة علمية صادرة عن مركز الزيتونة في آب 2025، أعدت هذه الورقة الباحثة الفلسطينية حنين عمر مراد بعنوان " اللاجئون الفلسطينيون في سورية بعد سقوط النظام: واقع جديد – آمال وتحديات …" والدكتور محسن صالح مدير المركز حاضر بيننا، وهنا أشير إلى أن الأبحاث حول مجتمع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا قليلة جداً، والكتابة العلمية حولهم أقل بكثير، وربما يحضرني هنا مثلاً كتاب "فلسطينيو سوريا" للباحثة أناهيد حردان الصادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية، وكتاب آخر صدر بالفرنسية عن الفصائل الفلسطينية في مخيم اليرموك، والجدير بالذكر أن الدراسات عن المخيمات في سوريا نادرة، مثلاً لا يحضرني سوى كتاب واحد عن مخيم اليرموك للأستاذ الراحل حمد موعد، ودراسة صغيرة عن فلسطينيي سوريا والعراق أعدها الباحث الراحل علي بداون، والدراسة التي أشرت إليها الصادرة عن مركز الزيتونة.
ولأني كما قلت في البداية لا أؤمن بالفوارق بين اللاجئين الفلسطينيين، إلا من ناحية خصوصية كل مجموعة في بلدان اللجوء المختلفة، والحديث هنا عن لبنان وسوريا، أرى أن لدى اللاجئين الفلسطينيين في البلدين وفي باقي أماكن اللجوء الأخرى، خشية من المستقبل، يعزز هذه الخشية الشعور العام بالعراء بسبب غياب التمثيل الواضح، وغياب موضوع اللاجئين عن أحاديث القيادة الفلسطينية وقيادات القوى الأخرى، رغم بقاء هذا الموضوع في أدبيات الجميع، إلا إنه لم يعد من الأولويات المصانة، وليس حتى من الثوابت، وهو وهذا رأيي لن يعود إلا إن كان باباً للتنافس الحزبي، كما يحدث في سوريا هذه الأيام، وإن بشكل مستتر، وكما يحدث منذ زمن طويل في لبنان. ولعل الموضوع أعمق من ذلك بكثير، فاللاجئ الفلسطيني وأنا واحد من اللاجئين، ولم أعش خارج المخيمات إلا مؤخراً ولأول مرة في حياتي، أرى أن وأشعر وأفكر أن قضيتنا كما هي دائماً خاضعة لموازين القوى، ومع موازين القوى القائمة في المنطقة حالياً، والتبدلات السياسة التي لم تستقر بعد، تبدو حكايتنا قاب قوسين من التصفية، من دون رد فعل يذكر لا من اللاجئين ولا من القوى الفلسطينية. ويعزز هذا الشعور عندي، نداء بعض النخب الفلسطينية في سوريا للحصول على الجنسية السورية، ولا بأس في ذلك، لكن على أي أرضية يمكن أن يحدث ذلك، هل ستكون هناك ضمانات للحفاظ على الهوية الفلسطينية، وتعزيزها ثقافياً ومعرفياً، أسوة بأي أقلية وطنية في بلاد المشرق العربي، والاحتفاظ والنضال من أجل حق العودة.


أضف تعليق
قواعد المشاركة